الرئيسيةمقالاتمحمد صالح عبدالله يس يكتب :العميد محمد أحمد جمعة 1930 -2009 (3-7)

محمد صالح عبدالله يس يكتب :العميد محمد أحمد جمعة 1930 -2009 (3-7)


مع سر الختم الخليفة صداقة صنعتها بخت الرضا وجنوب السودان
لم تكن الصداقة التي جمعت بين العميد محمد أحمد وسر الختم الخليفة صداقة عابرة صنعتها المصادفةوإنما كانت واحدة من تلك العلاقات الإنسانية النادرة التي تنمو في رحاب المعرفة، وتشتد عراها بالعمل، ثم تتحول مع الأيام إلى أخوة لا تفسدها السنون ولا تباعد بينها المناصب
كان سر الختم الخليفة أكبر من العميد سنا كما كان قد سبقه إلى التخرج من معهد بخت الرضا ثم أصبح أستاذاً له في المعهد وهناك في تلك المؤسسة التي كانت يومها مصنعا لانتاج المعرفة وصناعة المعلم السوداني بدأت بين الرجلين حكاية من الود والاحترام سرعان ما تجاوزت حدود علاقة الأستاذ بتلميذه إلى صداقة عميقة ورفقة عمر استمرت قرابة الاربعة عقود
كان العميد متزوجاً حين التحق ببخت الرضا،
ورزق بطفل فأراد أن يخلد مكانة أستاذه وصديقه في قلبه فأطلق على مولوده البكر اسم سر الختم لكن القدر لم يمهله طويلا فقد رحل الطفل صغيرا وبقي الاسم رغم ذلك شاهدا على محبة عميقة لم تكن تحتاج إلى مناسبة لكي تعلن عن نفسها
ثم جاءت جنوب السودان لتمنح تلك الصداقة فصلاً جديدا وبعدا أكثر اتساعاً وأثرا وحميمية
في جنوب السودان كان سر الختم الخليفة يشغل منصب باش مفتش للتعليم بمحافظة الاستوائية بينما كان العميد معلما في مقتبل حياته المهنية وهناك لم يكن الرجلان يكتفيان بأداء واجبهما الوظيفي بل كانا يفكران في سؤال أكبر كيف يمكن أن يكون التعليم قريبا من حياة التلاميذ وبيئتهم وثقافتهم
أدركا أن المناهج التي صممت لبيئة شمال السودان لا يمكن نقلها إلى جنوب السودان كما هي لأن لكل مجتمع خصوصيته وظروفه التعليمية واللغوية ولذلك عملا معا على وضع منهج لتعليم اللغة العربية يتناسب مع بيئة الجنوب ويساعد التلاميذ على تعلمها بطريقة أكثر قرباً من واقعهم وحياتهم اليومية
وفي منطقة انزار ا بغرب الاستوائية برز العميد كشخصية مؤثرة في المجتمع المحلي فقد تعلم لغة قبائل الزاندي فقد ساعدته لغتهم من التواصل مع اعماقهم ووجدانهم فاللغة هي اداة التواصل والمعرفة وحقا من تعلم لغة قون امن مكرهم وكان مشروع التنمية الكبير الذي أنشئ بالقرب من يامبيو أحد الميادين التي ظهر فيها حسه الاجتماعي والتنموي. فقد اختير عضواً في مجلس إدارة المشروع ولم ينظر إلى موقعه بوصفه منصبا إداريا فحسب وإنما رآه فرصة لخدمة الناس وربط التنمية بالتعليم
ومن الأفكار التي حملها العميد في ذلك الوقت أن يتاح للتلاميذ العمل في المشروع خلال العطلات المدرسية كانت الفكرة بسيطة في ظاهرها لكنها عميقة الأثر يتعلم الطالب ويكتسب خبرة عملية ويساعد أسرته ويشعر بقيمة العمل والإنتاج وقد وقد اسهم هذا البرنامج في تحسين الأوضاع الاقتصادية والمعيشية لكثير من الطلاب وأسرهم وجعل من التعليم جسرا إلى الحياة لا عزلة عنها
ثم غادر سر الختم الخليفة جنوب السودان عائدا إلى الخرطوم ليتولى إدارة المعهد الفني الذي أصبح يحمل اسم جامعة السودان للعلوم والتكنلوجيا أما العميد فقد عاد هو الآخر من جنوب السودان ليجد صديقه القديم في الخرطوم، بعد سنوات من العمل المشترك في ميادين التعليم والتنمية
وفي عام 1964 كان العميد محمد أحمد حاضراً في واحدة من أكثر اللحظات خصوصية في حياة صديقه حين تزوج سر الختم الخليفة من السيدة الفضلي زهراء الفاضل محمود ابنة السيدة عائشة عبد الرحمن المهدي لم يكن العميد مجرد ضيف على حفل الزواج كان صديقا قريباًإلى درجة أنه شارك في طقوس الفرح وخضب يديه مع صديقه بحناء العرس في مشهد يلخص طبيعة العلاقة بين الرجلين مودة لا تعرف التكلف وأخوة لا تعترف بالفوارق الاجتماعية أو المناصب
ثم حملت الأيام سر الختم الخليفة إلى موقع آخر في تاريخ السودان حين أصبح رئيسا للوزراء في حكومة أكتوبر التي جاءت عقب الثورة التي أطاحت بحكم الفريق إبراهيم عبود
ومع ذلك لم ينقطع تواصلهما بل ربما اتخذت شكلاً أكثر ارتباطاً بالقضية التي جمعتهم منذ البداية التعليم في جنوب السودان
فقد اختار سر الختم صديقه عضواً في مؤتمر المائدة المستديرة ضمن لجنة قضايا التعليم في جنوب السودان. كان الاختيار اعترافاً بخبرة رجل عاش التعليم في الجنوب من داخله، وعرف بيئته ومشكلاته، ولم يتعامل معه من وراء المكاتب
ورغم أن مؤتمر المائدة المستديرة لم يكتب له النجاح الذي كان السودانيون يأملونه، فإن التجربة بقيت شاهداً على مرحلة كان فيها التعليم أحد المفاتيح التي حاول رجال تلك المرحلة أن يفتحوا بها أبواب التعايش والوحدة الوطنية
وحين ننظر اليوم إلى مسيرة العميد محمد أحمد، فإن قصة صداقته بسر الختم الخليفة تبدو أكثر من حكاية شخصية بين رجلين إنها نافذة على زمن كان فيه المعلم يحمل رسالة تتجاوز الفصل الدراسي والصداقة تتجاوز المجاملة والتعليم ينظر إليه باعتباره طريقاً لبناء المجتمع.
كان سر الختم الخليفة أستاذاً للعميد ثم أصبح صديقه ورفيق دربه وربما كانت أجمل صور تلك الصداقة أن التلميذ لم يبق تلميذا وأن الأستاذ لم يبق أستاذا فقد جمعتهما الحياة على أرض واحدة، وفي مشروع واحد وفي همّ واحدأن يكون للتعليم أثر في حياة الناس.
وهكذا بقيت بخت الرضا شاهدة على البداية، وبقي جنوب السودان شاهداً على العمل، وبقيت الخرطوم شاهدة على استمرار الرفقة.
أما الطفل الذي حمل اسم سر الختم ثم رحل صغيرا فقد ترك وراءه معنى آخر أكثر حزناً وخلوداً: أن بعض الأسماء لا تعيش في أصحابها فقط، بل تعيش في قلوب من أحبوهم وفي الحكايات التي يرويها الزمن عن صداقة كان فيها الوفاء أعمق من الكلمات ونواصل

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات