الرئيسيةمقالاتد التوم حاج الصافي يكتب :السودان ليس ملعبًا لأحد

د التوم حاج الصافي يكتب :السودان ليس ملعبًا لأحد

ثمة كذبة سياسية يجري تكرارها حتى كادت تتحول إلى «حقيقة»: أن الوقوف مع الجيش السوداني يعني بالضرورة الوقوف مع الشعب السوداني.
لا.
الجيش مؤسسة وطنية، والشعب وطن. والفرق بين الاثنين يصبح صارخًا عندما تتحول الحرب من معركة لاستعادة الدولة إلى حرب مفتوحة يدفع المدنيون ثمنها في المدن والقرى والأسواق والمستشفيات.
السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس فقط: من مع الجيش؟ ومن مع الدعم السريع؟
بل السؤال الأكثر قسوة:
من مع الشعب السوداني؟
فالسعودية لها حساباتها في البحر الأحمر وأمنها الإقليمي. ومصر تنظر إلى السودان من زاوية الأمن القومي والحدود ومياه النيل. وتركيا تبحث عن موطئ قدم استراتيجي واقتصادي وعسكري في السودان والقرن الأفريقي. وإيران تنظر إلى السودان ضمن صراعها الأوسع على النفوذ والممرات الاستراتيجية. أما قطر فلها حساباتها السياسية وشبكات نفوذها الإقليمية.
هذه الدول ليست جمعيات خيرية.
كل دولة تتحرك حيث ترى مصلحتها.
وهذا حقها في السياسة الدولية، لكنه ليس حقًا لها أن تجعل السودان هو المكان الذي تُدفع فيه فاتورة مصالحها.
تقارير حديثة تضع مصر والسعودية وتركيا وإيران ضمن الداعمين للجيش بدرجات وأشكال مختلفة، بينما تصف مصادر أخرى الحرب بأنها تحولت إلى ساحة صراع إقليمي تتداخل فيها مصالح دول متعددة.
والكارثة أن السودان لا يملك حتى ترف الاعتراض.
فهو بلد منهك، وشعبه موزع بين النزوح والجوع والخوف، بينما تستمر ماكينة الحرب في ابتلاع ما تبقى من الدولة.
دارفور ليست تفصيلًا
هنا تحديدًا تصبح المسألة أكثر خطورة.
إذا استمر التعامل مع الحرب باعتبارها معركة عسكرية يجب أن ينتصر فيها الجيش بأي ثمن، فماذا سيحدث لدارفور؟
هل يستطيع أحد أن يتجاهل أن دارفور ليست مجرد «إقليم» على الخريطة، وإنما مساحة هائلة يسكنها ملايين السودانيين، بتنوعهم الإثني والاجتماعي والسياسي؟
وماذا سيكون موقف هؤلاء الناس إذا استمرت الحرب سنوات أخرى، واستمر القصف والدمار، واستمر شعور قطاعات واسعة بأن الخرطوم لا تسمع أصواتهم إلا عندما تحتاج إلى أبنائهم في المعركة؟
هل يعتقد الذين يدفعون نحو الحسم العسكري أنهم يدفعون السودان نحو الوحدة؟
قد تكون النتيجة عكس ذلك تمامًا.
لأن الدولة لا تُحافظ على وحدتها بالقنابل وحدها.
الدولة تحافظ على وحدتها عندما يشعر مواطن دارفور، ومواطن كردفان، ومواطن الشرق، ومواطن الشمال والوسط، أن هذه الدولة دولته هو أيضًا.
أما إذا استمر قتل المدنيين وتدمير المدن والقرى، فإن أخطر ما قد ينتج عن الحرب ليس انتصار طرف على طرف، وإنما تفكك الفكرة السودانية نفسها.
وقد يصبح الانفصال، الذي كان يومًا فكرة مرفوضة عند قطاعات واسعة من السودانيين، خيارًا يطرحه جيل جديد باعتباره مخرجًا من حرب لا تنتهي.
وهنا يجب أن يفهم أنصار الحسم العسكري خطورة اللعبة:
قد تكسبون معركة عسكرية وتخسرون السودان.
ماذا يعني دعم الجيش إذا كانت الحرب بلا نهاية؟
السؤال ليس دفاعًا عن الدعم السريع.
وهذه نقطة يجب أن تكون واضحة.
الجرائم التي ارتكبتها قوات الدعم السريع وحلفاؤها، خصوصًا في دارفور، لا يمكن تبريرها ولا نسيانها. الأمم المتحدة وثقت انتهاكات واسعة النطاق، كما وثقت تقارير أممية هجمات على المدنيين والبنية المدنية في مناطق مختلفة من السودان.
لكن إدانة الدعم السريع لا تمنح الجيش شيكًا على بياض.
ولا تمنح أي دولة خارجية الحق في اعتبار كل منطقة تؤوي خصومها هدفًا مشروعًا.
الأمم المتحدة وثقت خلال الأشهر الأولى من 2026 أكثر من ألف مدني قتلوا في ضربات بطائرات مسيرة، وشكلت هذه الضربات نحو 80% من الوفيات المدنية التي وثقها مكتب حقوق الإنسان في تلك الفترة، مع استهداف أسواق ومنشآت صحية ومرافق مدنية، خصوصًا في دارفور وكردفان. �
unognewsroom.org
وفي مارس وحده، أدى هجوم بطائرة مسيرة على مستشفى الضعين التعليمي في شرق دارفور إلى مقتل أكثر من 60 شخصًا وفق الأمم المتحدة. �
The United Nations in Sudan +١
فأي حديث عن «الوقوف مع الشعب السوداني» يجب أن يبدأ من سؤال بسيط:
كيف تقفون مع شعب يموت تحت القصف؟
مصر والسعودية وتركيا وإيران وقطر… السودان ليس ملكًا لكم
إلى القاهرة:
نحن نفهم مخاوف الأمن القومي المصري. ونفهم أن السودان بالنسبة لمصر ليس دولة جارة عادية.
لكن السودان ليس مجرد عمق أمني لمصر.
إنه وطن لشعب كامل.
وإلى الرياض:
نفهم حسابات البحر الأحمر، ونفهم أهمية السودان لأمن المنطقة، ونفهم رغبة السعودية في منع انهيار الدولة السودانية.
لكن منع انهيار الدولة لا يكون بإطالة الحرب.
وإلى أنقرة:
السودان ليس مجرد فرصة جيوسياسية جديدة، ولا ورقة في إعادة تشكيل النفوذ التركي في أفريقيا والبحر الأحمر. تشير مصادر حديثة إلى تعاظم الاستثمارات والدعم العسكري التركي للجيش السوداني منذ اندلاع الحرب. �
The Arab Weekly
وإلى طهران:
السودان ليس منصة جديدة لصراع النفوذ في البحر الأحمر، ولا ينبغي أن يصبح جزءًا من الحسابات العسكرية الإقليمية.
وإلى الدوحة:
السودانيون لا يحتاجون منافسة بين العواصم على النفوذ في الخرطوم.
السودانيون يحتاجون أن تتوقف الحرب.
السودان يحتاج إلى أصدقاء لا إلى أوصياء
المشكلة ليست في أن تكون للدول مصالح في السودان.
هذا طبيعي.
المشكلة تبدأ عندما تتحول مصالح تلك الدول إلى معيار لتحديد مستقبل السودان.
إذا كانت الرياض تريد استقرار البحر الأحمر، والقاهرة تريد أمن حدودها، وأنقرة تريد نفوذًا اقتصاديًا واستراتيجيًا، وطهران تريد موقعًا في معادلة البحر الأحمر، وقطر تريد نفوذًا سياسيًا، فليكن.
لكن هناك شرطًا واحدًا:
ألا تكون حياة السودانيين هي العملة التي تُدفع بها هذه المصالح.
السودان ليس ساحة تجارب.
وليس حديقة خلفية لأحد.
وليس جبهة متقدمة في صراع المحاور.
إنه بلد يعيش فيه أكثر من أربعين مليون إنسان، وليس مجرد موقع على الخريطة بين البحر الأحمر والساحل الأفريقي.
ومن يريد وحدة السودان فليعمل من أجل السلام
هناك مفارقة يجب أن يفهمها الجميع:
إذا كان الهدف الحقيقي هو وحدة السودان، فإن استمرار الحرب بلا سقف سياسي قد يصبح أكبر تهديد لهذه الوحدة.
لأن دارفور لا يمكن أن تُدار إلى الأبد بمنطق القوة.
وكردفان لا يمكن أن تُختزل في خطوط الجبهة.
والشرق لا يمكن أن يبقى مجرد ممر إلى البحر.
والخرطوم لا يمكن أن تكون السودان كله.
السودان أكبر من الجيش، وأكبر من الدعم السريع، وأكبر من البرهان، وأكبر من حميدتي، وأكبر من القاهرة والرياض وأنقرة والدوحة وطهران.
ومن يريد إنقاذ السودان عليه أن يبدأ من هذه الحقيقة.
لا أحد يطلب من السودانيين أن يختاروا بين جيش ودعم سريع باعتبارهما قدرًا أبديًا.
المطلوب هو وقف الحرب، حماية المدنيين، محاسبة مرتكبي الجرائم، وفتح الطريق أمام عملية سياسية سودانية حقيقية لا تكتبها غرف المخابرات الإقليمية ولا تحددها مصالح العواصم الأجنبية.
فإذا كان العالم يريد السودان موحدًا، فليساعد السودانيين على بناء دولة يتساوى فيها السودانيون، لا دولة ينتصر فيها السلاح ويخسر فيها الإنسان.
أما الاستمرار في تسليح الحرب، ثم الخروج علينا بشعار «نحن مع الشعب السوداني»، فذلك ليس تضامنًا مع الشعب.
ذلك استثمار في الحرب باسم الشعب.
والتاريخ لا يرحم.
فقد يسجل يومًا أن السودان لم يسقط لأن السودانيين أرادوا سقوطه، وإنما لأن الآخرين أحبوا مصالحهم في السودان أكثر مما أحبوا السودان نفسه.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات