السودانية نيوزنعمل علي نقل الاخبار والاحداث في الساحة السياسية السودانية ودول الجوار العربي والافريقي العالمي بمهنية صحفية عالية و بوضوح وشفافية . ونعمل علي احترام حقوق النشر والتعبير وترسيخ مبدا الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان وفق المواثيق الدولية
ترسيم الحدود في البحر الأحمر: التوافق السوداني السعودي ومخاوف القاهرة..
كمبال عبدالواحد
ظل ملف ترسيم الحدود البحرية بين دولتي السودان والمملكة العربية السعودية جامدا منذ نحو نصف قرن من الزمان، قبل أن يشهد تحركات مكثفة أخيرا في محاولة من الرياض لإحيائه في ظرف بالغ التعقيد يمر به السودان حاليا. ويشهد السودان حربا اندلعت في 15 أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، ولا تزال مستعرة رغم المبادرات الإقليمية والدولية والأممية لوقفها، في حين خلفت أسوأ أزمة إنسانية في العالم، بحسب الأمم المتحدة. وكشفت تقارير موثقة، عن اجتماع عقد في 14 سبتمبر/أيلول 2026 للجنة سودانية منشأة بموجب القرار رقم 266 لسنة 2026 برئاسة قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان، ضمن ترتيبات مرتبطة بالجانب المالي والاستثماري للمجلس الأعلى للتعاون والتنسيق الاستراتيجي بين السودان والسعودية. وخرج الاجتماع بخطوات تتجاوز الجانب الإداري، فقد اختيرت هيئة الموانئ البحرية جهة اتحادية للتنسيق بين المؤسسات المدنية والعسكرية، ومنحت السكرتارية التنفيذية صلاحية الاطلاع المباشر على الوثائق والخرائط التاريخية المتعلقة بالبحر الأحمر والحدود. كما تقرر إنشاء لجنة فنية تضم المفوضية القومية للحدود والقوات البحرية لمراجعة الخرائط والوثائق القانونية ووضع رؤية فنية لترسيم الحدود، إلى جانب تطوير مراكز وطنية للرصد والمراقبة البحرية بالتنسيق مع موانئ جدة وينبع. وعلى الرغم من أن مخرجات الاجتماع قد تبدو وكأنها شأن ثنائي بين البلدين، لكنها، قد تثير، على الأرجح، بعض القلق لدى مصر، المطلة على مياه البحر، والتي ترتبط بحدود برية مع السودان من ناحية الشكر. أسباب قلق مصر تتمثل المخاوف الكبرى لمصر، في كون أي خريطة سودانية سعودية جديدة، قد تقترب عمدا أو عن غير قصد من ثلاث دوائر شديدة الحساسية بالنسبة إلى مصر: حلايب، والموارد البحرية، وأمن الملاحة المؤدية إلى قناة السويس. وهنالك مكمن آخر للخطر، يتصل باتفاق الحدود البحرية الذي وقعته مصر والسعودية عام 2016، والذي اعترض عليه السودان رسميا لدى الأمم المتحدة في ديسمبر/كانون الأول 2017، وركز في اعتراضه على سبع نقاط من الخط المصري السعودي، بدعوى أنها تقع في مياه مرتبطة بمثلث حلايب الذي تطالب الخرطوم بالسيادة عليه. وإذا توقف الخط الجديد عند خط عرض 22 درجة شمالا، بقي الأمر ظاهريا متسقا مع الحدود المصرية السعودية القائمة، أما إذا استغلت الخرطوم، كما هو متوقع، هذا الترسيم لمعاودة مطالبتها بحلايب عبر التفاوض البحري مع الرياض، فستتحول الخريطة الجديدة، على الأرجح، إلى أداة لإحياء النزاع حول المثلث الحدودي. أما الخطر الآخر فيتعلق بأمن الملاحة، حيث دفعت مصر وحدها ثمنا اقتصاديا باهظا جراء اضطرابات البحر الأحمر وتراجع حركة قناة السويس، وقد كشف الرئيس عبدالفتاح السيسي في يناير/كانون الثاني 2026 أن خسائر القناة بلغت نحو 9 مليارات دولار خلال عامين فقط. وفي ظل هذه الخسائر الفادحة، فإن أي ترتيبات أمنية أو استثمارية جديدة على الساحل السوداني بالتنسيق مع جدة وينبع، من دون إشراك القاهرة، تُحمّل مصر عبء مخاطر إضافية على ممر حيوي بالنسبة لها. البرهان يتعهد ثم ينسحب على الرغم من عدم ثبوت انخراط اللجنة الفنية رسميا في ترسيم الحدود البحرية مع السعودية، لكن مجرد عودة المسألة إلى السطح مجددا، قد تُصدر الكثير من القلق لمصر. وكانت مصر قد نجحت سابقا في إرجاء تحركات مماثلة بين السعودية والسودان بشأن ترسيم الحدود، بعدما مارست ضغوطا على عبد الفتاح البرهان. ووفقا لتقارير إعلامية، فإن البرهان، طلب، في العام الماضي، إرجاء إعداد النسخة النهائية من من اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع السعودية ريثما يتم التشاور مع مصر. وكانت اللجنة السودانية السعودية المشتركة لترسيم الحدود قد اجتمعت في 20 سبتمبر/أيلول 2025 برئاسة الأمين محمد بانقا لمناقشة تعديلات على المسودة النهائية، وذلك في أعقاب تغييرات طرأت على خريطة السودان بعد اتفاقية الحدود البحرية والبرية مع مصر. خلفية تاريخية لملف الترسيم تعود أول تحركات في موضوع الحدود البحرية بين المملكة العربية السعودية والسودان إلى ستينيات القرن الماضي، وتحديدا عندما اتم اكتشاف رواسب غنية بالمعادن في قاع وسط البحر الأحمر. وتُعد منطقة “أتلانتس 2” الواقعة بين مدينتي جدة وبورتسودان- واحدة من أكبر الرواسب المعروفة في قاع البحر للمعادن التي تشمل الزنك والنحاس والفضة والذهب. وبدأت المحادثات الثنائية في جدة في يوليو 1973، وأُبرمت اتفاقية في الخرطوم في مايو 1974 -وجرى تسجيلها لدى الأمم المتحدة- تمنح كل دولة حقوقاً حصرية بالقرب من سواحلها، وتُنشئ منطقة مشتركة في المياه العميقة بوسط البحر لاستغلالها بشكل مشترك. وفي عام 2019، أعلن البلدان عن مبادرة مشتركة لإحياء اتفاقية عام 1974؛ وكانت دراسات سابقة قد قدّرت قيمة الرواسب المشتركة بنحو 8 مليارات دولار. ونظراً لأن اتفاقية عام 1974 تسبق زمنياً اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، يرى بعض الخبراء القانونيين ضرورة مراجعتها لحماية مصالح السودان.