التوتر التركي–الأوغندي: أزمة عسكرية محدودة أم تحول في العلاقات الثنائية؟

0
25
التوتر التركي–الأوغندي: أزمة عسكرية محدودة أم تحول في العلاقات الثنائية؟
التوتر التركي–الأوغندي: أزمة عسكرية محدودة أم تحول في العلاقات الثنائية؟

وحدة الشؤون الافريقية، مركز تقدم للسياسات – لندن

تشهد العلاقات بين أوغندا وتركيا توتراً تصاعدياً على خلفية قضية المعارض الأوغندي فريد لومبوي المقيم في تركيا. وقد انتقلت هذه القضية من إطار أمني وقضائي يتعلق بطلب تسليمه إلى مستوى أوسع يمس التعاون العسكري والعلاقات السياسية بين البلدين، بعد دخول المؤسسة العسكرية الأوغندية خط المواجهة. ويشير هذا التطور إلى أن الخلاف بات يتجاوز شخص المعارض نفسه، ليختبر حدود العلاقة بين أنقرة وكمبالا، وقدرة الطرفين على منع خلاف أمني محدود من التحول إلى أزمة دبلوماسية مفتوحة.

المعطيات

في 19 سبتمبر 2026، أعلنت قوات الدفاع الشعبية الأوغندية تعليق جميع أشكال التعاون الدفاعي والعسكري مع تركيا إلى حين معالجة ما وصفته بـ”القضايا العالقة المتعلقة بالتعاون الدفاعي والعسكري المتبادل”. وصدر الإعلان عن العقيد كريس ماغيزي، مسؤول الإعلام الدفاعي بالإنابة في وزارة الدفاع والجيش، في خطوة رفعت مستوى الخلاف من مجرد سجال سياسي إلى إجراء رسمي يمس إحدى قنوات التعاون الأساسية بين البلدين.

سبق ذلك تنظيم مظاهرة أمام السفارة التركية في كمبالا للمطالبة بتسليم لومبوي. نظمتها الرابطة الوطنية الأوغندية، وهي تنظيم يرأسه قائد الجيش موهوزي كاينيروغابا، نجل الرئيس يوري موسيفيني، الذي كان قد وجّه بدوره تصريحات شديدة اللهجة تجاه تركيا قبل الإعلان عن تعليق التعاون العسكري. ويواجه لومبوي في أوغندا 15 ملف اتهام تشمل التحريض على العنف ونشر معلومات كاذبة، وقد رفضت محكمة تركية في يوليو 2022 طلباً من السلطات الأوغندية لتسليمه.

يعود التعاون الدفاعي بين البلدين إلى يونيو 2016، حين وُقّعت في كمبالا مذكرة للتعاون العسكري واتفاق للتعاون في الصناعات الدفاعية خلال زيارة الرئيس رجب طيب أردوغان إلى أوغندا. وتشمل المذكرة الزيارات المتبادلة والتدريب والمشاركة في المناورات والتعاون في الصناعات الدفاعية وتبادل المعلومات الاستخباراتية العسكرية والدعم اللوجستي وحفظ السلام والمساعدات الإنسانية ومكافحة القرصنة، وقد تمت مصداقتها من البرلمان.

التحليل

تزامن تصعيد موهوزي وأنصاره ضد تركيا وتعليق التعاون العسكري مع زيارة نائبة رئيس الوزراء ريبيكا كاداغا إلى تركيا يومي 16 و17 سبتمبر للمشاركة في منتدى اقتصادي وتشجيع التجارة والاستثمار بين تركيا وأفريقيا، ومع لقاء الرئيس موسيفيني بالسفير التركي في أوغندا يوم 18 سبتمبر. ويعكس هذا التزامن أن موقف الدولة الأوغندية تجاه تركيا لا يبدو موحداً بالكامل، أو أننا أمام خلاف ثنائي محدود يمكن احتواؤه.

ظل التصعيد، حتى الآن، محصوراً بدرجة كبيرة في المؤسسة العسكرية والدائرة المحيطة بموهوزي. وحتى 27 سبتمبر، لم تصدر وزارة الخارجية الأوغندية بياناً رسمياً يعلن أزمة دبلوماسية مع أنقرة أو يهدد بقطع العلاقات، كما لم تعلن الحكومة سحب سفيرها أو طرد السفير التركي. وفي المقابل، لم تعلن الخارجية التركية إجراءات مقابلة، ولم تدخل أنقرة في سجال علني مباشر مع القيادة العسكرية الأوغندية. وهذا التباين بين مستويات صنع القرار في أوغندا يمنح الأزمة قدراً من المرونة، إذ يترك مجالاً للرئاسة والخارجية للتدخل لاحقاً بهدف احتواء التصعيد إذا أصبحت كلفته السياسية أو الاقتصادية مرتفعة.

وتشير بعض التحليلات إلى أن التوتر قد لا ينفصل بصورة كاملة عن التنافس على النفوذ في شرق أفريقيا، ولا سيما في الصومال، حيث يتنامى الحضور الأمني والعسكري التركي بالتوازي مع الدور الأوغندي الممتد هناك. وقد أشارت تقارير إلى أن الخلاف حول لومبوي أصبح الوجه العلني لخلاف أوسع يتعلق بالصومال ومستقبل الانتشار العسكري الأوغندي فيه، إذ تمتلك تركيا حضوراً متنامياً في قطاع الأمن الصومالي عبر منشأة “توركسوم” للتدريب، بينما تقود أوغندا القطاع الأول في بعثة الاتحاد الأفريقي. وبذلك، قد تكون قضية لومبوي نقطة الاشتباك الأكثر وضوحاً، من دون أن تكون بالضرورة العامل الوحيد في خلفية التوتر.

ويبدو السلوك التركي محسوباً على قاعدة عدم توسيع دائرة المواجهة، فامتناع أنقرة عن الرد العلني على تصريحات موهوزي، أو عن اتخاذ إجراءات دبلوماسية مقابلة، يشير إلى أنها لا تتعامل، حتى الآن، مع التصعيد العسكري الأوغندي بوصفه تحولاً نهائياً في سياسة الدولة الأوغندية تجاه تركيا. كما أن إبقاء ملف لومبوي ضمن الإطار القانوني يسمح لأنقرة بتجنب الظهور وكأنها تستجيب لضغوط سياسية مباشرة تتعلق بتسليم معارض.

ويمنح هذا التباين بين السلوك التركي والخطاب العسكري الأوغندي الطرفين مساحة للمناورة. فأوغندا تستطيع الإبقاء على الضغط من خلال تجميد التعاون العسكري من دون الوصول فوراً إلى القطيعة، بينما تستطيع تركيا الحفاظ على الصمت العلني وانتظار اتضاح ما إذا كان موقف موهوزي سيتحول إلى سياسة حكومية متكاملة أم سيبقى محصوراً في الإطار العسكري والسياسي المحيط به.

وحجم تأثير لومبوي الفعلي لا يفسر وحده حدة التصعيد، فالرجل يمتلك حضوراً إعلامياً وقدرة على التأثير في قطاع من المعارضة والشتات، لكنه لا يقود تنظيماً سياسياً واسعاً داخل البلاد. ولذلك، فإن انتقال قضيته إلى مستوى تعليق التعاون العسكري يشير إلى أن الأمر يرتبط أيضاً بحساسية القيادة الأوغندية تجاه المعارضة الخارجية، وباعتبارات تتعلق بهيبة الدولة والقدرة على ملاحقة خصومها السياسيين خارج الحدود.

خلاصة

تتعامل تركيا مع ملف لومبوي باعتباره قضية قانونية وأمنية مرتبطة بإجراءات التسليم والقضاء التركي، في حين تسعى القيادة العسكرية الأوغندية إلى نقله من هذا المستوى القانوني إلى مستوى الضغط السياسي والعسكري بين الدولتين.

دخلت الأزمة بين أوغندا وتركيا مرحلة توتر فعلي، لكنها لم تصل بعد إلى مستوى الأزمة الدبلوماسية الشاملة. فتعليق التعاون العسكري يمثل خطوة تصعيدية مهمة، إلا أن استمرار العلاقات الدبلوماسية وعدم اتخاذ وزارتي الخارجية في البلدين إجراءات مقابلة يحدّان حتى الآن من احتمالات القطيعة.

السيناريو الأرجح هو استمرار التوتر والتجميد العسكري على المدى القصير، بالتوازي مع محاولات غير معلنة لاحتواء الخلاف ومنع امتداده إلى العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية الأوسع. ويكمن التحدي الأساسي للطرفين في إيجاد صيغة تحفظ لأوغندا قدرتها على التراجع من دون خسارة سياسية، وفي الوقت نفسه لا تجعل تركيا تبدو وكأنها سلّمت معارضاً سياسياً استجابة لضغط مباشر.