السودان المنسيّ: خطر المجاعة يتفاقم في دارفور وكردفان بين الحرب والجفاف وتراجع الاستجابة الإنسانية

0
24
السودان المنسيّ: خطر المجاعة يتفاقم في دارفور وكردفان بين الحرب والجفاف وتراجع الاستجابة الإنسانية
السودان المنسيّ: خطر المجاعة يتفاقم في دارفور وكردفان بين الحرب والجفاف وتراجع الاستجابة الإنسانية

السودان المنسيّ: خطر المجاعة يتفاقم في دارفور وكردفان بين الحرب والجفاف وتراجع الاستجابة الإنسانية

حذر آدم رجال، الناطق الرسمي باسم هيئة النازحين واللاجئين، من أن خطر المجاعة في السودان لم يعد مجرد احتمال تلوح به التقارير الإنسانية، بل أصبح واقعاً متصاعداً يهدد حياة ملايين المدنيين، لا سيما في إقليمي دارفور وكردفان.

وأكد رجال في مقال تحليلي، أن الأزمة الحالية هي نتاج تداخل كارثي بين آثار النزاع المسلح المستمر، والجفاف المرتبط بالتغير المناخي، وتراجع الإنتاج الزراعي، ونقص التمويل الإنساني، مشيراً إلى أن النازحين يخوضون معركة يومية من أجل البقاء بعد فقدانهم لمنازلهم ومصادر رزقهم وأراضيهم.

وأضاف رجال في مقاله التحليلي (لم تعد المجاعة في السودان مجرد احتمال تحذّر منه التقارير الإنسانية، بل أصبحت خطراً متصاعداً يهدد حياة ملايين المدنيين، خصوصاً في دارفور وكردفان، حيث تتداخل آثار النزاع مع الجفاف وتراجع الإنتاج الزراعي ونقص التمويل الإنساني. ويواجه النازحون، الذين فقدوا منازلهم ومصادر رزقهم وأراضيهم، معركة يومية من أجل البقاء.

إن الإنذار الجديد الصادر عن التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي (IPC) بشأن تفاقم خطر المجاعة في المناطق المتأثرة بالنزاع، ليس مجرد تحذير فني، بل نداء عاجل إلى تحرك إنساني وسياسي مسؤول قبل اتساع دائرة الجوع وصعوبة إنقاذ الأرواح.

تتجاوز الأزمة الغذائية نقص السلع أو ارتفاع أسعارها؛ فهي نتيجة مباشرة لاستمرار الحرب والنزوح وتعطّل الاقتصاد وتراجع الإنتاج الزراعي واضطراب طرق التجارة والإمداد، إلى جانب محدودية وصول المساعدات إلى الفئات الأكثر احتياجاً.

ويضاعف الجفاف المرتبط بالتغير المناخي، وما يُنسب إلى ظاهرة النينيو، الضغوط على المجتمعات التي تعتمد على الزراعة والرعي. ومع تراجع الأمطار وتضرر المواسم، تتقلص قدرة الأسر على تأمين احتياجاتها، بينما ترتفع أسعار الغذاء وتتآكل قدرتها الشرائية.

في دارفور وكردفان، لا يمكن فصل الأمن الغذائي عن الأمن الإنساني. فعندما تتعطل الزراعة والأسواق، ويُجبر السكان على النزوح، لا يفقدون الغذاء فحسب، بل يفقدون مصادر الدخل وشبكات التكافل ووسائل الاعتماد على الذات. وهكذا يتحول النزاع إلى أزمة تمس الغذاء والماء والصحة والتعليم والمأوى.

يواجه النازحون مخاطر مضاعفة، لأن النزوح يجرد الأسر من مقومات الصمود. فالأسرة التي تركت منزلها ومزرعتها وماشيتها لا تعاني الجوع بسبب نقص الغذاء فقط، بل أيضاً بسبب فقدان القدرة على إنتاجه أو شرائه.

وتزداد المخاطر على النساء والأطفال وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة، الذين يحتاجون إلى استجابة تراعي احتياجاتهم الخاصة. كما تتحمل الأسر المضيفة أعباء إضافية في ظل محدودية الموارد وارتفاع تكاليف المعيشة، ما يوسع دائرة الهشاشة.

ومن واقع الاهتمام بأوضاع النازحين في دارفور، ينبغي أن يبدأ التعامل مع خطر المجاعة من فهم واقع الأسر المتضررة: ماذا تأكل؟ وكيف تحصل على الغذاء والماء؟ وهل تستطيع شراء احتياجاتها الأساسية؟ وهل تصل المساعدات بانتظام وبكميات كافية؟

هذه ليست تفاصيل ثانوية، بل مؤشرات ضرورية لتحديد مستوى الأزمة والتدخلات المطلوبة. ولا تكفي التقديرات العامة؛ إذ يجب تعزيز الرصد الميداني وتحديث بيانات النازحين والأسر الأشد ضعفاً، لضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها دون إقصاء أو تمييز.

يثير نقص التمويل الإنساني مخاوف جدية، إذ تتزايد الاحتياجات بينما تتراجع قدرة السكان على مواجهة آثار الحرب والجفاف. وعندما تعجز المنظمات عن توفير الغذاء والتغذية العلاجية والمياه النظيفة والخدمات الصحية، تصبح الفئات الأضعف عرضة لسوء التغذية والأمراض.

ولا تقتصر المشكلة على نقص الأموال؛ فمحدودية الوصول وانعدام الأمن والعقبات أمام حركة العاملين والإمدادات قد تمنع المساعدات من الوصول في الوقت المناسب. لذلك لن يحقق التمويل أثره المطلوب ما لم يترافق مع ضمانات عملية لوصول الإغاثة بأمان وسرعة وانتظام.

فالغذاء والماء والدواء احتياجات أساسية لا تحتمل الانتظار، ولا يجوز أن يصبح وصولها إلى المدنيين رهينة للتجاذبات العسكرية والسياسية. كما يجب حماية العاملين والقوافل ومرافق الإغاثة من الهجمات والعرقلة.

رغم الدور الحيوي للمنظمات الإنسانية، فإن مواجهة المجاعة لا تقع على عاتقها وحدها. فالأزمة ذات جذور سياسية واقتصادية وأمنية، وتتطلب التزامات واضحة من أطراف النزاع والقوى السياسية والمجتمعين الإقليمي والدولي.

وتتمثل الخطوة العاجلة في وقف الأعمال العدائية التي تهدد المدنيين وتعرقل المساعدات، وإقرار هدنة إنسانية فورية لا تقل عن 90 يوماً لتوسيع الاستجابة وتأمين الإمدادات الغذائية والطبية والمائية، وضمان وصولها إلى جميع المناطق المتضررة دون تمييز.

ويجب أن تتبع ذلك خطوات جادة نحو وقف دائم لإطلاق النار وإنهاء الحرب، لأن استمرار القتال يعيد إنتاج النزوح والفقر والجوع، ويقوض جهود التعافي وإعادة بناء المجتمعات.

كما تقع على عاتق المانحين والجهات الإنسانية مسؤولية سد فجوة التمويل وتوفير دعم مرن ومستدام للبرامج الغذائية والصحية وبرامج المياه والتغذية، مع إعطاء الأولوية للمناطق التي تتداخل فيها مخاطر النزاع والجفاف والنزوح. ومن الضروري أيضاً دعم الإنتاج المحلي وسبل كسب العيش، حتى لا تبقى الأسر معتمدة على المساعدات الطارئة.

يجب أن تكون أصوات النازحين واللاجئين والمجتمعات المتضررة جزءاً أساسياً من تحديد الاحتياجات وصياغة الاستجابة، لا مجرد أرقام في التقارير. فالسكان على الأرض أدرى بالاحتياجات والعقبات، ويمكن لإشراكهم أن يحسن دقة التقديرات وفاعلية التدخلات.

ويقتضي ذلك اعتماد آليات شفافة لتحديد الأولويات وتوزيع المساعدات وتلقي الشكاوى ومراقبة وصول الإغاثة. كما ينبغي ألا يقتصر الاهتمام على النازحين في المخيمات، فهناك أسر نازحة تعيش في القرى والمدن والمجتمعات المضيفة وتواجه احتياجات مماثلة دون رصد كافٍ.

إن حماية الحق في الغذاء جزء من حماية الكرامة الإنسانية. فالمطلوب ليس إيصال سلة غذائية فحسب، بل منع الظروف التي تعيد الأسرة إلى الجوع، ومساعدتها على استعادة مصادر رزقها والعيش بأمان.

أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول التحذيرات إلى أخبار عابرة، وأن يصبح الجوع واقعاً معتاداً. فكل تأخير قد يعني تدهوراً إضافياً في التغذية والصحة، وفقداناً لمصادر الدخل، وارتفاعاً في المخاطر التي تواجه الأطفال والنساء وكبار السن.

لذلك يجب الانتقال من التحذير إلى إجراءات قابلة للقياس والمحاسبة: تمويل الاستجابة، وفتح ممرات آمنة، وحماية المدنيين، وتوسيع برامج التغذية والمياه والصحة، وتعزيز قدرة المجتمعات على الصمود والتعافي.

ولا تكفي معالجة المجاعة كأزمة طارئة؛ فالسودان يحتاج إلى مواجهة الانهيار الاقتصادي وتضرر الزراعة وفقدان سبل العيش، بالتوازي مع إنهاء الحرب وإرساء السلام. فالأمن الغذائي المستدام لا يتحقق بالمساعدات وحدها، بل ببيئة آمنة تتيح للناس الزراعة والعمل والتجارة واستعادة حياتهم.

يضع تفاقم خطر المجاعة في دارفور وكردفان السودان أمام اختبار إنساني وأخلاقي بالغ الخطورة. فالجوع لا ينتظر المفاوضات، والأطفال لا يستطيعون تأجيل احتياجاتهم، والأسر النازحة لا تملك ترف الانتظار بينما تتراجع قدرتها على تأمين أبسط مقومات الحياة.

ومن موقعي المهتم بقضايا النازحين واللاجئين وحقوق الإنسان، أؤكد أن إنقاذ الأرواح يجب أن يتقدم على الحسابات السياسية والعسكرية، وأن حماية المدنيين وتأمين الغذاء والماء والدواء التزامات عاجلة لا تقبل التأجيل.

فالسودان لا يحتاج إلى مزيد من التحذيرات، بل إلى إرادة حقيقية تمنع تحول الجوع إلى قدر يومي لملايين البشر. ولا يمكن الحديث عن السلام والاستقرار وإعادة الإعمار بينما يواجه المواطنون خطر الموت جوعاً. إن إنقاذ الإنسان اليوم هو الخطوة الأولى نحو استعادة الوطن غداً.