الجميل الفاضل يكتب: عندما تصبح البصيرة تهمة؟!
ثمة مفارقة موجعة في تاريخ الشعوب: أن يتأخر الوعي عن صليل الجرس، ثم يُحاكَم قارعُه وحده بعد وقوع الكارثة؛ كأنّ من رأى النار هو الذي أشعلها، ومن أشار إلى الهاوية هو الذي حفرها.
عرف التاريخ صورًا شتى من هذه المفارقة.
حوكم سقراط بتهم ارتبطت بإفساد الشباب والإخلال بمعتقدات المدينة، فانتهى إلى تجرّع السم. وواجه جاليليو محاكمة المؤسسة الكنسية بسبب تصورات فلكية اصطدمت بالتفسيرات السائدة آنذاك.
أمّا الحسين بن علي، فقد انتهى موقفه من السلطة الأموية إلى مأساة كربلاء.
تختلف الوقائع، لكن سؤالًا واحدًا يطلّ من شرفة التاريخ: كيف يصبح صاحب الرؤية موضع مساءلة، فيما تنجو القوى التي صنعت المأساة من امتحان الحقيقة؟
ذلك ما يستدعيه اليوم سجالٌ متجدد حول نبوءة الأستاذ محمود محمد طه، وما قاله عن المآلات التي قد ينتهي إليها حكم جماعة الهوس الديني في السودان.
لكن، هل رأى محمود في محنة الشعب مع هذه الجماعة خيرًا مطلقًا، أم رأى في انكشاف زيف مشروعها مآلًا محتملًا لتجربة حذّر منها وقاومها بنفسه؟
هنا ينبغي ألّا تختلط ثلاثة أشياء: أن تتنبأ بالكارثة، أو أن تتمنى وقوعها، أو أن تستخلص من وقوعها معرفة.
فليس كل من رأى عاقبةً أرادها، ولا كل ما نتعلمه من الألم يجعل الألم فضيلة، أو يجعل الدم ثمنًا مقبولًا للمعرفة.
قد تكشف التجربة زيف الشعارات، لكن ذلك لا يعني أنّ الشعب كان مطالبًا بأن يحترق كي يعرف أنّ النار محرقة.
ورغم ذلك، قد تغدو المعرفة التي تأتي بعد الكارثة ضرورةً لإنقاذ المستقبل، دون أن تمنح الماضي صكّ براءة، أو أن تعفي الذين صنعوا الكارثة من تبعات ما جرّوه على الناس من ويلات.
بيد أنّ حالة الأستاذ محمود لا يجوز أن تُقرأ بمعزل عن صاحبها؛ ذلك الرجل الذي ناهض الهوس الديني بالفكر والسلوك والكتابة، ووقف في وجه قوانينه، حتى انتهى به المطاف إلى حبل المشنقة.
ومع كل ذلك، لا تجعل هذه المسيرة كل ما نُسب إليه فوق النقد، كما لا يجوز اختزالها فقط في صورة رجلٍ تمنّى للشعب أن يتعذّب كي يتعلّم. فمن حذّر من الطريق ووقف في وجه السائرين إليه، لا يُقرأ كلامه كما يُقرأ كلام من دعاهم إلى المضيّ فيه.
وربما كان في هذا المقام متّسعٌ لاستعادة ذلك الحديث: «اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله». لا لنقطع بأنّ الأستاذ محمود كان هو صاحب هذه الفراسة، ولا لنمنح مقولته حصانةً من النقد، لكن لنفتح باب الاحتمال أمام سؤال أعمق: أليس ممكنًا أن يرى إنسانٌ، من فرط نفاذ بصيرته، في بذور الحاضر ثمارًا لم تنضج بعد، وفي الشعارات ما تخفيه وراء بريقها من مآلات؟ وأن يقرأ في مسارٍ لم يكتمل بعدُ نهايتَه المحتملة، بينما لا يرى الآخرون سوى بدايته التي ظنوها واعدة؟
لعلّ ما يُسمّى نبوءةً ليس، في بعض أحواله، كشفًا للغيب بقدر ما هو نفاذٌ إلى منطق الأشياء، وإدراكٌ مبكر لما تنطوي عليه من احتمالات. وقد تكون البصيرة أن ترى الحريق في شرارةٍ لم ينتبه إليها أحد؛ لا لأنك أردتَ للنار أن تشتعل، بل لأنك أدركتَ ما يمكن أن تصير إليه إن تُركت للريح بلا إطفاء.
ومن هنا، فإنّ الإنصاف لا يكون بتقديس البصيرة، ولا بإدانتها لمجرد أنّها رأت ما لم يره الآخرون؛ إنما بتحرير معناها، ووزنها في سياقها، والتمييز بين قراءة المآلات وتبرير الأثمان.
ولعلّنا نستعيد هنا «نهر الجنون» لتوفيق الحكيم، حين يصبح العاقل غريبًا لأنّ جماعته فقدت رشدها، و«الخرتيت» ليونسكو، حين ينقلب التمسّخ الجماعي إلى معيار، ويغدو الثبات على الإنسانية ضربًا من الشذوذ.
عندها، لا تعود المأساة في أن يخطئ الناس فحسب، بل في أن يعجزوا عن الاعتراف بأخطائهم حين تأخذهم العزة بآثامهم؛ فيحاكمون الشاهد، ويتركون الحريق بلا مساءلة.
أمّا القدر الذي يستحضره هذا السجال في ذهني، فهو ما جاء في سورة الحديد:
﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا.. لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾.
لكنّ الإيمان بالقدر يقتضي التواضع أمام ما لا نحيط به، ولا يعني إعفاء من اختار الظلم، أو التسوية بين من صنع الكارثة ومن حذّر منها. فليس كل ما يقع من مكروه، وإن جرى في مجرى القدر، مرغوبًا لدى النفوس، ولا كل ما حدث مما كان ينبغي أن يحدث.
علي أية حال، فالسودان الذي ينزف اليوم تحت وطأة الحرب ليس بحاجة إلى تمجيد الكارثة لأنها كشفت حقائق طابقت ما حذّر منه الأستاذ محمود، ولا إلى إنكار ما أظهرته من عبر صونًا لكرامة ضحاياها.
إنه بحاجة إلى وعيٍ يردّ الخراب إلى أسبابه، ويسائل الذين حملوا السلاح وأشعلوا الصراع، ومن سعوا إلى استرداد عروشهم المفقودة على حساب حياة الناس ومستقبل البلاد؛ وعيٍ يمنع المأساة من أن تتحوّل إلى قدرٍ قابل للتكرار، لو أننا صرنا، كآل بوربون، لا ننسى شيئًا ولا نتعلّم شيئًا، رغم مرارة هذه الدروس.
وهنا يطمئننا قوله تعالى:
﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾.
ولعلّ إنصاف الأستاذ محمود لا يكون بجعل نبوءته مقدّسة، ولا بمحاكمتها لأنها رأت ما لم يره الآخرون؛ إنما بفهمها في سياقها، والتمييز بين من أنذر من الحريق ومن أشعل ناره.
أمّا إنصاف ضحايا السودان، فلا يكون بإنكار الدروس التي انتزعوها من الألم، ولا بمطالبتهم بقبول أنّ آلامهم كانت ثمنًا ضروريًا لتلك المعرفة؛ لكن بتثبيت حقّهم في الحياة، وفي مساءلة من صنعوا هذا الخراب، وفي ألّا يُتركوا مرة أخرى وحدهم أمام نار كهذه.
فالحكمة ليست أن نعثر تحت الرماد على درسٍ فقط، لكن أن نمتلك من البصيرة ما يجعلنا نرى الشرارة قبل أن تستحيل حريقًا، ومن الشجاعة ما يجعلنا نطفئها قبل أن تأكل كل شيء.
