مواقف ومشاهد. ضرب وتدمير الأسواق سياسية الأرض المحروقة.

0
23
  عبدالله اسحق محمد نيل
  عبدالله اسحق محمد نيل

مواقف ومشاهد. ضرب وتدمير الأسواق سياسية الأرض المحروقة.

بقلم: عبدالله اسحق محمد نيل

في استهداف ممنهج وجديد، بدأت الحكومة المرتبطة بالقوات المسلحة السودانية تتبع سياسة الأرض المحروقة بشكل أكثر فظاعة، مع سبق الإصرار والترصد، لم تعد الحرب ضد المقاتلين بل أصبحت حربا مباشرة ضد بطون الناس وأرزاقهم. فخلال ثلاثة أيام فقط تم تنفيذ سلسلة غارات جوية بالطيران الحربي والمسير استهدفت شرايين الحياة في دارفور وكردفان.

بدأت الحكاية بضرب وحرق سوق أبو زعيمة في ولاية شمال كردفان، وهو السوق الذي يعتبر رئة بادية الكبابيش والكواهلة، ومنه يتدفق الصمغ والمواشي والذرة إلى كل السودان. ثم انتقل القصف إلى سوق النايم في جنوب محلية النهود، ذلك السوق التاريخي الذي يربط كردفان بدارفور، فأصبح رمادا في ساعات. وفي اليوم نفسه ضرب سوق أبو عظام في ولاية شمال دارفور، وهو سوق صغير لكنه كل شيء لأهله.

ولم يتوقف الأمر عند نيالا، فمجزرة سوق المواشي أول أمس والتي راح ضحيتها أكثر من ثلاثين مدنيا بينهم نساء وأطفال، لم تكن الأولى. فقبلها بأيام تم قصف مدينة الفولة حاضرة غرب كردفان وسوقها العامر، وضرب سوق الزرق شمال دارفور الذي كان قد دمر سابقا وأعيد بناؤه بجهد الأهالي، ثم ضرب مرة أخرى ليقال للناس لا مكان لكم حتى للبيع والشراء.

هذه الاستراتيجية تمتد لتشمل المعابر الحدودية التي تدخل منها المواد الغذائية والدواء. فتم قصف معبر أدري الحدودي مع تشاد الشقيقة، وهو الشريان الوحيد الذي تدخل منه إغاثة برنامج الغذاء العالمي لملايين الجوعى في دارفور، وضرب معبر النعام الرابط بين جنوب السودان وشرق دارفور، وضرب سوق أدكون الحدودي مع أفريقيا الوسطى. الهدف واضح وهو خنق الإقليم وتجويعه.

ولم تسلم حتى أسواق المدن الكبرى، فسوق الضعين عاصمة شرق دارفور ضرب أكثر من مرة، وسوق كبكابية العامر الذي يغذي شمال دارفور بالخضار والفواكه تم تدمير جزء كبير منه، وسوق السريف وسوق مليط وسوق بروش وجبل الحلة كلها وضعت على لائحة الاستهداف.

إن ما يحدث ليس خطأ عسكريا ولا بنك أهداف مضلل، بل هو عقيدة قتالية جديدة تهدف إلى إبادة المواطنين عبر ضرب الأعيان المدنية المحمية بالقانون الدولي الإنساني. فعندما تضرب السوق فأنت لا تقتل التاجر فقط بل تقتل المزارع الذي جاء ليبيع محصوله والمرأة التي جاءت تشتري طعام أطفالها والطفل الذي يحمل حليب أمه. الهدف الأساسي هو إدخال الفزع والرعب وترحيل المواطنين وإرغامهم على الهجرة والنزوح إلى مناطق أخرى لمضاعفة الأزمة الإنسانية.

إن تدمير الأسواق هو تدمير لروح المجتمع نفسه، وهو جريمة حرب ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم وسيحاسب عليها كل من أمر ونفذ.