من الحرمان إلى المعرفة والإنتاج.. الجامعات امتحان حكومة السلام

0
5
من الحرمان إلى المعرفة والإنتاج.. الجامعات امتحان حكومة السلام
من الحرمان إلى المعرفة والإنتاج.. الجامعات امتحان حكومة السلام

من الحرمان إلى المعرفة والإنتاج.. الجامعات امتحان حكومة السلام

بقلم: عروة الصادق

يحمل قرار رئيس مجلس وزراء حكومة السلام الانتقالية، الأستاذ محمد حسن التعايشي، بتعيين مديرين لست جامعات سودانية، دلالات سياسية واجتماعية وتنموية تتجاوز نطاق التعيينات الإدارية وإعادة تشغيل المؤسسات التعليمية. فهو يفتح باباً لمعالجة واحدة من أعمق المظالم التاريخية التي عانت منها أقاليم السودان، وفي مقدمتها دارفور وكردفان، حيث تراكم الحرمان من فرص التعليم العادل، وتداخلت اختلالات التنمية مع سياسات التهميش والطرد المركزي، قبل أن تضاعف الحرب الراهنة حجم المأساة، وتحرم أجيالاً كاملة من حقها في المعرفة والتأهيل والمشاركة في بناء مستقبلها. إن الترحيب بهذه الخطوة ينطلق من إدراك أن التعليم قضية تتصل بالحقوق والمواطنة والعدالة الاجتماعية، وأن استعادة الجامعات لنشاطها تمثل مدخلاً لاستعادة المجتمعات قدرتها على التعافي والإنتاج. فالشباب الذين أغلقت الحرب أمامهم أبواب القاعات الدراسية، وشردت أسرهم، وأفقرت مجتمعاتهم، يستحقون استجابة استثنائية تعوض سنوات الانقطاع، وتعيد إليهم الثقة في المستقبل، وتوفر لهم فرصاً حقيقية للحياة الكريمة. وقد آن الأوان أن تنتقل أقاليم السودان التي عانت طويلاً من اختلال توزيع الموارد والخدمات من موقع انتظار الفرص إلى موقع صناعتها، ومن استهلاك المعرفة المستوردة إلى إنتاجها وتطويرها وتوطين تطبيقاتها. وهنا تبرز المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتق حكومة السلام ورئيس وزرائها ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي، في تحويل قرارات التعيين إلى مشروع وطني متكامل لإعادة تأسيس التعليم العالي، يستوعب خصوصية هذه المرحلة، ويتجاوز معالجة آثار الحرب إلى تفكيك الأسباب البنيوية التي ساهمت في إنتاج الحرمان والتخلف التنموي. وتقتضي هذه المسؤولية أن تتحول جامعات نيالا والفاشر وزالنجي والجنينة والضعين والسلام إلى مؤسسات معرفية متقدمة، تتمتع بالاستقلال الأكاديمي والإداري، وتلتزم بمعايير الجودة والحوكمة والشفافية والكفاءة العلمية، وتوفر بيئة آمنة للطلاب والأساتذة والباحثين، وتكفل حرية التفكير والتعبير والبحث والنقاش العلمي، وتحمي التعدد الثقافي والاجتماعي والفكري الذي يميز السودان. فالجامعة التي نريدها مؤسسة تتسع للاختلاف، وتحترم العقل النقدي، وتمنح الطالب حق السؤال والمراجعة والاعتراض، وتؤسس علاقتها بالمجتمع على المعرفة والخدمة العامة. ويجب أن تمتلك القدرة على نقد السلطة التي أسهمت في إعادة افتتاحها، وأن يتمتع أساتذتها وطلابها بالحرية الكاملة في التفكير والتنظيم الأكاديمي السلمي، بعيداً عن الرقابة الأمنية والوصاية السياسية والاستقطاب العسكري. ولقد دفعت الجامعات السودانية أثماناً باهظة جراء السياسات التي اعتمدها نظام الإنقاذ وحركته الإخوانية، وما صاحبها من تدخلات أيديولوجية في إدارة التعليم العالي، وإضعاف استقلال المؤسسات الأكاديمية، وإخضاع بعض التعيينات والفرص لمعايير الولاء السياسي والتنظيمي. وأسهمت تلك الممارسات في إهدار الكفاءات، وتقييد الحريات، وتغذية الاستقطاب والعنف داخل البيئة الجامعية.