
تقرير : جعفر السبكي
في سابقة دبلوماسية تكشف حجم العزلة التي يعيشها قائد الجيش السوداني، رفضت الولايات المتحدة منح تأشيرة دخول للفريق أول عبد الفتاح البرهان لحضور اجتماعات الدورة 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، باعتباره رئيساً غير شرعي بعد انقلابه على حكومة الثورة بقيادة الدكتور عبد الله حمدوك، لتتحول أروقة المنظمة الدولية إلى ساحة جديدة للصراع على الشرعية المفقودة.
هذه الخطوة الأمريكية التي تتجاوز مجرد إجراء إداري، تعتبر إعلاناً سياسياً صريحاً بنزع الاعتراف عن حكومة الأمر الواقع في بورتسودان، وتضع البرهان في خانة “المنبوذ دولياً”، بعد اتهامات موثقة باستخدام الأسلحة الكيماوية المحظورة ورفضه السماح للجان التحقيق الدولية بدخول البلاد.
وفي أول تعليق له على قرار واشنطن منعه من دخول الولايات المتحدة، خرج رئيس مجلس السيادة قائد الجيش عبد الفتاح البرهان بخطاب تصعيدي من استاد الخرطوم، قائلاً: “لا نريد تأشيرة لدولة ولا نريد إذناً من أحد.. سنبقى معكم هنا ونموت معكم هنا في هذا البلد”.
جاء ذلك خلال مخاطبته حشداً من الشباب، بالتزامن مع انطلاق مبادرة “ما نسيناكم” لدعم القطاع الصحي، بمشاركة صناع محتوى وعدد من الرياضيين، وفق بيان لمجلس السيادة.
وقال البرهان، السبت، إن بلاده “لن تستجيب لأي ضغوط أو ابتزاز”، وإن صوتها سيظل “عالياً”، وذلك على خلفية رفض الولايات المتحدة منحه تأشيرة دخول لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.
وشدد على أن “البلاد لن تستجيب لأي ضغوط أو ابتزاز”، وأن “السودان سيظل صوته عالياً”. وأضاف: “سيظل رأسنا مرفوعاً، ولن نقبل المساومة أو نسترخص أنفسنا لأحد أو ننحني له”، مؤكداً أن السودانيين “لا يمكن ابتزازهم أو تخويفهم”.

رفض التأشيرة.. انعكاس لفقدان الشرعية
ويأتي هذا التصريح بعد أن رفضت الولايات المتحدة منح التأشيرة لرئيس الجيش السوداني الفريق البرهان لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك باعتباره رئيس غير شرعي بعد ان قام بالانقلاب ضد حكومة دكتور عبد الله حمدوك وبالتالي فقد شرعيته فقام البرهان وحكومته بنقل الصراع الي الأمم المتحدة.
ويرى الكاتب والمحلل الصحفي عبد الوهاب الأنصاري أن الصراع في السودان انتقل إلى منبر الأمم المتحدة، سعياً لاكتساب شرعية دولية مستحيلة المنال؛ يفتقدها نظام الانقلابي الجنرال البرهان قائد “جيش الحركة الإسلامية” حتى على الأرض، خصوصاً مع تآكل سيطرته الميدانية أمام الدعم السريع، في كامل التراب السوداني، حيث تدور رحى الحرب في ثلث مساحة السودان تقريباً، وكل أراضيه أهداف تطولها مسيّرات طرفي النزاع؛ إضافةً لشرعية دستورية افتقدها منذ انقلابه ضد حكومة الثورة التي ترأسها الدكتور عبد الله حمدوك في 25 أكتوبر 2021.أضف إلى ذلك رفض منح “البرهان” رئيس حكومة الجيش تأشيرة دخول للولايات المتحدة لحضور اجتماع الدورة 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، لاتهامه باستخدام الأسلحة الكيماوية المحظورة دولياً، ورفضه التفتيش الدولي، والسماح للجان التحقيق الدولية بدخول السودان للتحقق، مما يعمق عزلته الدولية. إن إعلان عدم اعتراف الولايات المتحدة رسمياً بحكومته لأول مرة منذ بدء الصراع؛ فهذه الخطوة تعكس انسداد الأفق أمامه.
وتجهض محاولته استغلال الدبلوماسية ومنابر الأمم المتحدة لتعزيز موقفه السيئ عسكرياً.وتابع (إن محاولته تدويل الأزمة وبناء تحالفات جديدة مع السعودية وباكستان وقطر وتركيا “مركز التنظيم الإسلامي العالمي” الذي يجعل من السودان نموذجه، دون إرادة حقيقية لوقف إطلاق النار، لن ينهي المعاناة، بل قد يحوّل السودان إلى ساحة حرب إقليمية بالوكالة ممتدة.
وقال الأنصاري في حديثه لـ”السودانية نيوز”: “ظل البرهان قائد الجيش، مستنداً بصورة مكشوفة على عناصر تنظيم الحركة الإسلامية، المصنفة كمنظمة إرهابية أجنبية أمريكياً، يلهث باحثاً عن شرعية زائفة لكي يحقق حلم والده الذي باح به منذ تبوئه المنصب رئيساً للمجلس العسكري الانتقالي، خلفاً لقائده السابق الفريق عوض بن عوف، في لقاء تلفزيوني عقب ثورة الشباب في ديسمبر 2018 المجيدة، قبل أن ينقلب عليها صابئاً وحانثاً قسمه المغلظ كعادة العسكر، بثورة مضادة، بقيادة الحركة الإسلامية الإرهابية في 25 أكتوبر 2021 وسعت حاضنته السياسية الحركة الإسلامية الإرهابية التي يدين لها بالولاء والطاعة، حثيثاً مستخدمة كل أساليبها الخادعة وألاعيبها وخبثها المعلوم، وعبر دولتها العميقة التي تسيطر على أجهزة الدولة عبر التمكين منذ انقلابها في يونيو 1989 لتثبيت الانقلاب، ولتحقيق ذلك لتكون قد أنجزت جسر العودة للحكم المنزوع، والعودة مجدداً لحكم السودان بالحديد والنار، في محاولة لإعادة التاريخ كمأساة”.
وشدد على أن منع التأشيرة وتكشير أمريكا عن أنيابها قيدومة ومؤشر لما هو آتٍ؛ فبعد منع البرهان من التأشيرة والدخول للولايات المتحدة، واتخاذ أمريكا حياله سياسة المنبوذ الدولي، بإعلان صراحةً عدم الاعتراف به؛ ونزع غطاء شرعيته الهشة كرئيس لحكومة السودان وتصنيفه كسلطة أمر واقع تحصل عليها بالقوة غير المشروعة، وحصره كرئيس للجيش، لا يقتصر ذلك على أثره الآني وحسب، بل يرسل كذلك إشارات ودلالات مستقبلية ذات قيمة مضافة سياسياً ودبلوماسياً موجعة الأثر وشديدة التأثير.
ماذا يعني هذا القرار؟
وأضاف الانصاري (أثر فوري ينزع الغطاء الشرعي الخجول، الذي كان يثبت ويحاجج به البرهان بهتاناً، لتغطية عورته السياسية البائنة؛ وشرعيته الكاذبة والمفقودة، ثم يترتب على ذلك أيضاً الضغط عليه سياسياً، بحيث ترسل واشنطن رسالة واضحة المعالم، شديدة الصرامة مفادها؛ أنها لا تتعامل مع قيادة الجيش، أو قادة الصراع كسلطة سياسية شرعية ومطلقة في السودان تمثل شعبه، وبالتالي أسقطت رواية الجيش الكاذبة الواهية، وحاضنته السياسية “الحركة الإسلامية الإرهابية” كمقدس تستمد منه حجتها مدعية الشرعية.
ثم تربط ذلك مباشرةً بعملية المسارات السياسية والدبلوماسية، بمدى التجاوب مع المبادرات والهدن المطروحة مثل “الرباعية والخماسية”.
استخدام أمريكا لتأشيرة مقر الأمم المتحدة، كأداة ضغط عظيمة التأثير في شرعية “حكومة الجيش” في السودان، وذلك على الرغم من أن اتفاقية المقر لعام 1947 تحتم على واشنطن تسهيل دخول وفود الدول الأعضاء إلى أمريكا، لكنها تملك استثناء لحماية أمنها القومي وفق أجهزتها الأمنية.
يؤدي ذلك حتماً إلى انهيار العلاقات التحالفية، ومعادلات حسابات القوى الإقليمية، ومراوغة البرهان بعكسه لقراراته، وخلق البلبلة لاكتساب مساحات تكتيكية ومناورة لكسب الزمن، ويعني خلاصةً وصول المشاورات بين الإدارة الأمريكية وقيادة الجيش إلى طريق مسدود، فيما يتعلق بالحل السياسي وآلية وقف الحرب بأساليب سياسية وقد بلغ السيل الزبى.
وحتمية التوقع بعد هذه الخطوة هو تصعيد التوتر الدبلوماسي، بالرغم من أن بعض المصادر أشارت إلى أن حلفاء الجيش وخاصةً مصر والسعودية نصحوا البرهان قائد الجيش بالانحناء للعاصفة، وعدم التهور بالرد العنيف، الذي لن يكون في صالحه.
أيضاً من العواقب، يترتب على ذلك تغليظ العقوبات الأمريكية، بفرض عقوبات فردية متزايدة أو قيود مالية ودبلوماسية إضافية شديدة الوطأة على القيادات والمؤسسات التابعة لطرفي النزاع وخاصة الجيش بسبب “الكيماوي”.
دعم التحركات المدنية وخاصة تنظيم “صمود” التي ستُفسح لها مساحة واسعة، كقوى مدنية مناهضة للحرب، وقيادتها السياسية البارزة بقيادة الدكتور عبد الله حمدوك، رئيس وزراء الفترة الانتقالية المُنقلب عليه من قبل جيش الحركة الإسلامية الإرهابية بقيادة الفريق أول البرهان والدعم السريع بقيادة الفريق أول حميدتي قبل نفض قائد الدعم السريع حميدتي يده عنه، وبعدها دخل طرفا المكون العسكري الجيش والدعم السريع في حرب أبريل 2023 التي أشعلها جيش الحركة الإسلامية بقيادة البرهان طمعاً والمليشيات المساندة له للانفراد بحكم البلاد.
