بقلم: د. حافظ إبراهيم عبدالنبي
في السياسة، لا تُصنع الشرعية بالاستعراض العنتري ولا تُستعاد في مدرجات الملاعب، ولا تُكتسب بالظهور في الحفلات والفعاليات الجماهيرية. الشرعية، في معناها السياسي والدستوري، تستمد قوتها من مؤسسات دستورية وإرادة شعبية ومسار سياسي ذي أساس قانوني، لا من محاولة تحويل المناسبات الرياضية والفنية إلى منصات لإنتاج صورة سياسية بديلة.
ومن هذه الزاوية ينبغي قراءة محاولات عبد الفتاح البرهان الظهور في المشاهد الجماهيرية المختلفة. فالسؤال الأساسي ليس أين يظهر البرهان، بل: بأي أساس دستوري يحكم السودان؟ ومن أين يستمد سلطته السياسية؟
هذا السؤال لم يعد مجرد سجال داخلي بين القوى السودانية. ففي سبتمبر/أيلول 2026 صرّحت وزارة الخارجية الأمريكية بأن مايسمي القوات المسلحة السودانية، وكذلك قيادتها ، لا تمثل أي «حكماً شرعياً ودستورياً» للسودان. وفي المقابل، رفضت السلطات الموجودة في بورتسودان هذا الموقف، وتمسكت بشرعية مؤسساتها وسيادة الدولة السودانية. وهنا تظهر بوضوح حقيقة أن مسألة الشرعية نفسها أصبحت موضوع نزاع سياسي ودبلوماسي دولي، وليست حقيقة يمكن حسمها بمجرد السيطرة العسكرية أو الظهور الإعلامي.
من انقلاب 25 أكتوبر إلى حرب 15 أبريل
أزمة الشرعية لم تبدأ مع حرب 15 أبريل 2023. فالبرهان كان على رأس الإجراءات العسكرية في 25 أكتوبر 2021 التي أنهت ترتيبات الشراكة القائمة آنذاك وأدخلت البلاد في مرحلة جديدة من الصراع السياسي. وبعد اندلاع الحرب في أبريل 2023، تحولت معركة السلطة إلى حرب مفتوحة دفعت المدنيين السودانيين ثمناً هائلاً لها.
ولهذا فإن محاولة تعويض أزمة الشرعية السياسية بالحضور الجماهيري لا تجيب عن السؤال الجوهري: أين التفويض الشعبي والدستوري الذي يمنح سلطة عسكرية حق تقرير مستقبل الدولة منفردة؟
الملاعب لا تمنح الشرعية، والأغاني لا تصنع دستوراً، والحشود ـ مهما كان حجمها ـ ليست بديلاً عن المؤسسات المدنية والإرادة السياسية الحرة للشعب.
الأخطر من أزمة الشرعية: ملف الأسلحة الكيميائية
لكن القضية تتجاوز مسألة الشرعية إلى ملف أخطر بكثير يتعلق باتهامات باستخدام أسلحة محظورة دولياً.
فالولايات المتحدة اتخذت في أبريل 2025 قراراً رسمياً خلص إلى أن حكومة السودان استخدمت أسلحة كيميائية في انتهاك للقانون الدولي، ثم دخلت العقوبات المرتبطة بهذا القرار حيز التنفيذ. كما كانت واشنطن قد فرضت في يناير 2025 عقوبات على البرهان، وقالت الخارجية الأمريكية آنذاك إن عناصر من القوات المسلحة ارتكبت جرائم حرب، وإنها واصلت تحت قيادته ارتكاب انتهاكات شملت استهداف مدنيين وبنية تحتية مدنية وعمليات إعدام لمدنيين.
وفي عام 2026 بقي ملف الأسلحة الكيميائية مطروحاً داخل منظمة حظر الأسلحة الكيميائية. وتُظهر وثائق المجلس التنفيذي للمنظمة أن قضية السودان وطلبات التوضيح بشأنها ظلت قيد نظر المجلس، بينما واصلت الولايات المتحدة مطالبتها السلطات السودانية بالإفصاح عن أي منشآت إنتاج أو ذخائر كيميائية والتعاون مع المنظمة للتحقق منها وتدميرها.
وفي سبتمبر 2026 ظهرت مواد وتحقيقات صحفية جديدة تتحدث عن برنامج سري مزعوم داخل المؤسسة العسكرية لإنتاج ذخائر قائمة على الكلور. كما دعا خبراء سابقون في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية إلى تحقيق دولي في هذه المزاعم. لكن من المهم قانونياً التفريق بين القرار الأمريكي وبين إثبات مستقل نهائي من الأمانة الفنية لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية؛ فالسلطات السودانية نفت الاتهامات، والملف الدولي ظل محل مطالبة بالتحقيق والتحقق.
وهذا التفريق لا يقلل من خطورة القضية، بل يجعل المطالبة بتحقيق دولي مستقل وشفاف أكثر إلحاحاً. فإن القرائن الأولية ا ثبتت استخدام السلاح الكيميائي، فإن المسألة لا تكون خلافاً سياسياً سودانياً عادياً، وإنما انتهاكاً بالغ الخطورة للقواعد الدولية التي تحظر استخدام الأسلحة الكيميائية.
لا يمكن للهتاف أن يمحو الأسئلة
من هنا تبدو المفارقة السياسية واضحة: في الوقت الذي يحتاج فيه السودان إلى إجابات حول الحرب، وحماية المدنيين، والانتقال السياسي، والمساءلة عن الانتهاكات، يصبح التركيز على صناعة مشاهد جماهيرية حول قائد عسكري محاولة لنقل النقاش من جوهر الأزمة إلى صورتها.
لكن الصورة لا تستطيع إلغاء الأسئلة.
لا يستطيع ظهور في ملعب أن يحسم نزاعاً حول الشرعية الدستورية.
ولا تستطيع أغنية أن تغلق ملف الانتهاكات.
ولا يستطيع خطاب جماهيري أن يكون بديلاً عن تحقيق مستقل في مزاعم استخدام أسلحة محظورة.
ولا تستطيع السيطرة العسكرية وحدها أن تنتج عقداً اجتماعياً جديداً بين الدولة والمواطنين.
السودان يحتاج إلى دولة لا إلى شرعية مصنوعة
الأزمة السودانية في جوهرها أكبر من شخص البرهان، وأكبر من طرف عسكري بعينه. إنها أزمة دولة ظلت فيها المؤسسة العسكرية والسياسة متداخلتين على حساب بناء نظام مدني دستوري مستقر.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس من يملك السلاح اليوم، وإنما كيف يستعيد السودانيون دولة تستمد سلطتها من المؤسسات والقانون وإرادة المواطنين؟
إن أي تسوية مستدامة تحتاج إلى وقف الحرب وحماية المدنيين، وإلى مسار سياسي مدني، وإلى تحقيقات مستقلة في الانتهاكات المنسوبة إلى أطراف النزاع، بما فيها مزاعم استخدام الأسلحة الكيميائية، وإلى مساءلة قائمة على الأدلة والقانون لا على الانتقام السياسي.
وفي نهاية المطاف، قد تمنح الملاعب لحظة من التصفيق، وقد تصنع الأغاني مشهداً عاطفياً، وقد تصنع الكاميرات صورة لزعيم وسط الجماهير؛ لكنها لا تستطيع وحدها أن تمنح حاكماً شرعية دستورية.
فالشرعية لا تُغنّى، ولا تُلعب في الملاعب، ولا تُصنع أمام عدسات الكاميرات؛ الشرعية تُبنى عبر المؤسسات والقانون وإرادة الشعب.
نيويورك 30 سبتمبر 2026
