البرهان وحميدتي أمام اختبار واشنطن: شراكة السلام أم كلفة الحرب

0
6
البرهان وحميدتي أمام اختبار واشنطن: شراكة السلام أم كلفة الحرب
البرهان وحميدتي أمام اختبار واشنطن: شراكة السلام أم كلفة الحرب

ذو النون سليمان، مركز تقدم للسياسات – لندن

تقديم

أصدرت وزارة الخارجية الأميركية في 22 سبتمبر 2026 بياناً هو الأكثر حدة تجاه طرفي الحرب في السودان. لم يكتفِ البيان بتحميل الجيش وقوات الدعم السريع مسؤولية تعثر الهدنة، بل نزع عنهما وعن قيادتيهما أهلية الحكم. وتزامن ذلك مع حجب تأشيرة دخول الفريق عبد الفتاح البرهان عشية انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة، ومع موقف إقليمي معاكس صدر عن السعودية، مصر، باكستان، وتركيا. يتناول هذا التقدير دلالات البيان، وخيارات طرفي الحرب في ضوئه، وحدود الغطاء الدولي والإقليمي الذي يستند إليه كل منهما.

المعطيات:

أكد المتحدث باسم الخارجية الأميركية، تومي بيغوت، التزام الرئيس ترامب بإنهاء الحرب، وحمّل الجيش والدعم السريع مسؤولية عدم الالتزام الجاد بهدنة فورية، وتصعيد العمليات القتالية وضربات المسيّرات التي تطال المدنيين. ودعا الطرفين إلى قبول الهدنة الإنسانية بصيغتها المطروحة دون شروط مسبقة، والانخراط في حوار سياسي شامل يفضي إلى حكومة مدنية. وأعلنت واشنطن استعدادها للعمل مع أي شريك جاد في تحقيق السلام، مقابل رفع كلفة استمرار الحرب على الأطراف المتحاربة والشبكات الداعمة لها.

  -شدد البيان على أن الجيش والدعم السريع وقيادتيهما لا يمثلون حكماً شرعياً دستورياً، وأن سلوك قادة الطرفين يجعلهم غير مؤهلين لحكم البلاد، وأن الهدف هو إعادة السلطة إلى الشعب السوداني. ولم تصدر واشنطن تأشيرة دخول للبرهان رغم جدولة كلمته أمام الجمعية العامة في 24 سبتمبر. ولا يوجد موقف أميركي رسمي معلن بهذا الشأن، لكن مصادر دبلوماسية تربط إصدار التأشيرة بقبول البرهان مقترح هدنة التسعين يوماً الذي طرحه مسعد بولس.

-أعلن الدعم السريع قبوله هدنة التسعين يوماً، مع رفضه جوانب من ترتيبات الانسحاب المقترحة. وفي المقابل يرفض الجيش الصيغة الحالية مع تعهد البرهان بمواصلة القتال.

-أكد بيان وزراء خارجية السعودية ومصر وباكستان وتركيا اجتماعاً تشاورياً في نيويورك في 21 سبتمبر، دعم سيادة السودان ووحدته واستقلاله وسلامة أراضيه، والحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية الشرعية، ورفض أي كيانات موازية. وتتبنى الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا في مجلس الأمن منذ أشهر موقفاً يعتبر الطرفين مسؤولين عن الفظائع وغير مؤهلين للحكم.

التحليل

:يضع البيان الأميركي الجيش والدعم السريع في مركز واحد، ويبني هذه المساواة على امتناع الطرفين عن الالتزام بالهدنة والمسار السياسي. وهذا يعيد جدلية الشرعية إلى الواجهة، ويفصل بين دور الجيش بوصفه طرفاً عسكرياً ومفاوضاً، وبين حقه في قيادة المرحلة السياسية. ويأتي حجب التأشيرة في سياق الضغط الدبلوماسي والشخصي على البرهان، لا كإجراء إداري معزول.

ويحتفظ الموقف الأميركي بمساحة للتعامل البراغماتي مع أي من الطرفين إذا اختلف موقفه عن الآخر. فعبارة الاستعداد للعمل مع “أي شريك جاد” تعني أن المساواة بين الطرفين ليست موقفاً نهائياً، بل نقطة انطلاق قابلة للتعديل. ومن يقبل بالهدنة يصبح شريكاً في مسار وقف الحرب، بينما يتحمل الرافض كلفة أعلى. وتشمل أدوات الضغط المتوقعة فرض عقوبات إضافية، وضرب شبكات التسليح والتمويل، واستهداف مصادر الإيرادات، وتعميق العزلة الدبلوماسية للطرف الرافض، مع استبعاد العمل العسكري الأميركي المباشر.

       خيارات الجيش:

باتت خيارات البرهان أضيق، لأن واشنطن تربط الهدنة بإعادة تعريف موقعه السياسي. وأمامه مساران: القبول المبدئي بالهدنة مع السعي إلى تعديل شروطها، أو الاستمرار في الرفض والرهان على تحمّل الضغط. لكن الخيار الحقيقي ليس بين الحرب والسلام، بل بين هدنة تقلّص هامشه السياسي، أو رفض بكلفة عزلة متصاعدة. ويشتد المأزق إذا صار قبول الدعم السريع واضحاً وقابلاً للتحقق.

       خيارات الدعم السريع:

يملك الدعم السريع أفضلية تكتيكية، إذ سبق أن أعلن قبوله بالمسار السياسي والهدنة المقرونة بعدم الانسحاب. ويرجح أن يواصل تبنّي المبادئ الأميركية الأساسية مع التفاوض على البنود التي تمس وضع قواته ومناطق سيطرته، بهدف تحسين موقعه لدى واشنطن ووضع الجيش في خانة الرافض، مع الاحتفاظ بأكبر قدر ممكن من مناطق سيطرته.

       سيناريو التمايز:

إذا استجاب أحد الطرفين فعلياً ورفضها الآخر، فالأرجح أن تنتقل واشنطن من الضغط المتوازي إلى سياسة أكثر تمييزاً. سيحصل الطرف المستجيب على غطاء دبلوماسي، ويُشرك في ترتيبات تنفيذ الهدنة، بينما يتحمل الرافض مسؤولية التعطيل وتتجه الأدوات نحو تجفيف دعمه الخارجي. ويبقى القيد الحاكم أن التعاون لا يتحول إلى تفويض أو شرعية سياسية للحكم.

       حدود الغطاء الدولي والإقليمي:

غربياً، ثمة توافق أميركي-بريطاني-فرنسي واسع على وقف الحرب والانتقال إلى حكم مدني، لكن الضغط المباشر على البرهان وشروط هدنة التسعين يوماً هي في هذه المرحلة سياسة أميركية بعينها، ولم تتحول بعد إلى استراتيجية غربية مشتركة.

إقليمياً، يستند البيان إلى نص وثيقة الرباعية، لكنه لا يعبّر عن توافقها الراهن. فالتباين داخلها يتسع، وتظهر الإمارات هي الأقرب إلى القراءة الأميركية، بينما كرّست القاهرة والرياض مع أنقرة وإسلام آباد شرعية “مؤسسات الدولة الوطنية” في بورتسودان في اليوم نفسه الذي كانت واشنطن تنزعها عنها. هذا الغطاء يمنح البرهان هامشاً للمناورة وامتصاص الضغط، ويحدّ من فاعلية الأداة الأميركية.

الخلاصة:

       يعكس بيان الخارجية الأميركية تحولاً باتجاه مقاربة أكثر حزماً تقوم على معادلة مزدوجة: من يستجب للهدنة يمكن أن يصبح شريكاً للولايات المتحدة في إنهاء الحرب، ومن يرفضها سيواجه ارتفاعاً في كلفة الاستمرار فيها. وفي الوقت نفسه، تضع واشنطن سقفاً سياسياً واضحاً لهذا التعاون، يتمثل في عدم تحويل “شريك السلام” العسكري إلى صاحب شرعية للحكم.

       حوّل البيان ساحة التنافس من الميدان العسكري إلى موقف طرفي الحرب من الهدنة والمسار السياسي, وتشير المعطيات إلى قدرة الدعم السريع على الاستثمار التكتيكي، فيما يواجه الجيش الخيار الأعلى كلفة، لأن الثمن المطلوب منه يمس بقاء قيادته في السلطة لا شروط القتال وحدها.

       يكشف التباين بين البيان الأميركي وبيان مصر والسعودية وتركيا وباكستان أن الخلاف حول السودان لم يعد متعلقاً فقط بكيفية وقف الحرب، بل بدأ يمتد إلى تعريف الشرعية وشكل الدولة في اليوم التالي. فواشنطن تدفع نحو تجاوز سلطة قيادات الطرفين العسكريين، بينما تتمسك قوى إقليمية رئيسية بالحفاظ على مؤسسات الدولة القائمة ورفض أي بنية موازية. وقد يصبح هذا التباين أحد أهم العوامل المحددة لمسار التسوية إذا انتقلت الضغوط الأميركية من مرحلة الرسائل إلى مرحلة الإجراءات العملية.

       فاعلية الرافعة الأميركية ترتبط بقدرتها على تضمين شركائها في الرباعية، السعودية ومصر، لموقفها, فما دامت القاهرة والرياض توفران لبورتسودان خطاب الشرعية، سيبقى رهان البرهان على الصمود قائماً, وإن لم تنجح واشنطن في ذلك، فلن يكون الانقسام بين طرفي الحرب هو ما يعطّل الهدنة، بل الانقسام بين رعاتها.