هكذا تبدو المسافة هائلة جداً، بين شر تراه بادئ ذي بدء شرّاً، لكن متى خبرته جيداً، وأحطت به خُبراً، وجدت أنه ينطوي تحت مظهر شره البادي، على خير كبير.
تجسدت هذه المسافة بين موسى والخضر، حيث كان البون شاسعاً في ميزان هذا النوع من الخبر ومصادره، بين الذي يرى بنور الله، ومن يقرأ من سطح الحدث، الأول:
“قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً”.
ثم قال: “أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا”.
بما يؤكد أن اختلاف المصادر هو العنصر الحاسم، الذي يحدد طبيعة ونوع كل خبر عن الآخر.
الخبر الأول: يكشف مصدره، عن ملك متربص ظالم يأخذ كل سفينة بحالة جيدة غصباً، ليصبح إتلافها طوق نجاة لها ولأهلها، لا لإغراقهم كما جرى.
والخبر الثاني: الذي ترجمه الخضر إلى فعل صادم للغاية، كان قد صدر من باب الرأفة والإكرام لأبوي الطفل القتيل نفسه، فيما بدا نفس الحدث للمصدر الآخر: في صورة نفس زكية قتلت ظلماً بغير نفس، لا أكثر من ذلك ولا أقل، قبل أن يماط اللثام عن علة لطف كبرى، تكمن وراء هذا الفعل القاسي جدا في مظهره، تقول:
“فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً”.
ذات يوم حلق شاعرنا المجذوب بسؤال فلسفي استشرافي عميق، على عوالم الما وراء، بنظم يقول:
“أيكون الخيرُ في الشرِ انطوى؟
والقوي خرجت من ذرة
هي حبلى بالعدم.
أتـُراها تكفلُ الحربَ
وتنجو بالسـَّـلـَم؟”.
إنها الأسئلة المنتجة لنوع آخر من الخبر. أسئلة تقرب الأذهان لفهم أقدار الله، التي هي بطبيعة حالها فوق طاقة وإمكانيات العقل البشري.
فالصبر على تناقضات الحياة – جوهر هذا الخبر -، ظل على الدوام من أشق أنواع الصبر على النفوس.
بل حتى نبي الله موسى لم يستطع أن يفي أمام هذه المفارقات الهائلة، بتعهداته المتكررة للعبد الصالح وهو يقول:
“سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرا”.
هنا أيضاً تحت مناخ هذه الحرب تضج أذهان بعض الناس بنوع من الأسئلة الحائرة:
أشردتني عن دياري كي أتعرض لكل هذه المهانة؟
أجردتني من مالي، وسياراتي، وممتلكاتي، ومصادر دخلي، كي أصبح فقيراً؟
أنزعت عني الحكم لتشمت بي هؤلاء الأراذل؟
أحرمتني وسائل متعتي وراحتي لتشقيني؟
يا رب لماذا كل هذه السنوات يطاردنا شبح الموت بأسبابه، في المنافي، وفي مناطق النزوح واللجوء، وبين غياهب السجون، تحاصرنا أحوال الجوع والمرض، والفقر والمسغبة؟.
أنستحق كل هذا التعب والمعاناة، وكل هذه الضعة وهذا الهوان؟.
كلها أسئلة تؤكد حقيقة أن مفهومنا للشر يظل قاصراً.. فقط لأننا لا نرى الصورة كاملة بكل أبعادها.
فالحروب علي مر العصور، هي التي تصنع التاريخ، وهي التي تفتح الطريق أمام أقدار الله الكبرى.
ربما أن قصور العقل البشري، قد يغري في لحظات الضعف حتي بالتطاول، فقد بلغت الجرأة أقصى مداها بالشاعر محمود درويش الذي قال:
“بيروت اختبار الله”.
بل قال: “جربناك جربناك.
من أعطاك هذا اللغز؟
من سماك؟
من أعلاك فوق جراحنا ليراك؟”.
هكذا فإن حدثاً واحداً قد يقربك إلى الله بشكل مدهش، أو يبعدك هو ذاته عنه إلى أقصى نقطة عند حد بعيد.
لكن عموما الخير يكمن فيما اختاره لك الله دائماً، ككمون النار في الشجر، وإن بدا لك الأمر في مظهره بغير ذلك.
انظر كيف أن ما بدا شرّاً لأصحاب السفينة في البداية، قد اتضح لهم لاحقاً أنه خير أكبر قد نالوه بالفعل، ولو بعد حين.
وأن قتل الغلام لم يكن محض شر، لكنه كان في الحقيقة خير لأبويه.
رغم أن هذا الخير من نوع الخير الذي لن يكشف لك عن وجهه كخير طوال حياتك.
خير ربما تعيش عمرك كله وأنت تحسبه شرّاً ليس إلا.
ترى هل عرفت أم الغلام حقيقة ما انطوى على قتله من خير لها ولزوجها؟.
صحيح أن قلبها يمكن أن يكون قد انفطر على ابنها، وأنها قد أمضت الليالي الطوال حزناً عليه.
لكن أم هذا الغلام ربما لن تفهم أبداً حقيقة ما حدث لابنها منذ ذلك اليوم وإلى قيام الساعة، فقط لغياب تغطية بالعمق والشمول تتيح لها الإحاطة بما وراء هذا الحدث من خير.
فقد يسوق لك الله خيراً، وإن لم تر فيه أنت شيئا من خير.
وكذا ثمة نمط آخر من الشر قد يصرفه الله عنك بلطفه الخفي دون أن تدري أن يد القدرة الإلهية قد تدخلت بالضبط في الوقت المناسب تماماً، لإماطة شر بات محدقاً بك لا تراه، يهدد وجودك ومصالحك.
تأمل، هل اليتيمان أبناء الرجل الصالح عرفا أن ثمة جداراً تحته كنز لهما، وأن هذا الجدار أوشك أن يتهدم؟
الجواب بكل تأكيد: لا.
ثم هل عرفا أن الله أرسل من يقيمه ويسويه لصالحهما؟
الجواب أيضاً: لا.
هل شاهدا تفاصيل لطف الله الخفي، والكيفية التي حفظ بها لهما هذا الكنز؟. الجواب قطعاً: لا.
إنها إذاً الأسئلة الحقيقية التي ينتظر أن تنتج خبراً محيطاً جامعاً جديراً، يقودنا الي جادة الطريق، ولصواب العقل.
- سنواصل –

