منذ سبعين عامًا، أُعلن إستقلال السودان.. لكن أيُّ سودان كان قد إستقل؟
أتُرى كان هو إستقلال للأرض والجغرافيا، أم لبعض من يسكنونها دون بعض؟
وهل نشأت هذه الدولة لتضم الجميع، أم لتُقصي من لا يُشبهون بعض سكانه، من ذوي الإمتيازات والمكتسبات التاريخية؟
يقول محمد حسنين هيكل، حين زار السودان في خمسينيات القرن الماضي:
“ذهبت للسودان فاكتشفت أنني لست أمام سودان واحد، وإنما أمام أربعة سودان…”
وقد رأى بعين الصحفي، ما عجزت الأنظمة عن رؤيته حتى اليوم بقوله في وقت مبكر جدا: “ذهبت للسودان فاكتشفت أنني لست أمام سودان واحد، وإنما أمام أربعة سودان.
في سودان مجري النهر، وفي سودان الجنوب، وفي سودان الغرب كردفان ودارفور، وفي سودان الشرق قبائل الهدندوة وكسلا الي آخره.
قلت لهم: أن سودان مجري النيل، حسيت فيما رأيت إنه دا موضوع مختلف، وأن اتجاهه الي الشمال أقرب، وأن هذا هو السودان الذي نراه.
لكن في سودان آخر في كردفان ودارفور، انا رحت شفته وهو ليس سودان مجري النيل وليس مصر، وفي سودان في الجنوب انا شفته، وهو ليس مجري النهر، وليس كردفان ودارفور، وليس مصر، والشرق أيضا قضية مختلفة.
وطلعت بنتيجة أن هذا الكيان الذي نسميه السودان، هو في الواقع تركيبة إنسانية وجغرافية مهمة جدا، نشأ نتيجة للكشوف الجغرافية اللي حصلت في القرن 19، سواء في عهد محمد علي، أو في عصر اسماعيل، وإنه كان بينظر إليه في الغالب، كما لو أنه كان ملكية للتاج المصري”.
وللحقيقة فالسودان تركيبة إنسانية وجغرافية، ينبغي ألا تُختزل في الشمال ولا في النهر.
فإن حديث هيكل لم يكن نبوءة في فراغ، بل حقيقة يتكرر صداها الآن، مع صوت محمد حسن التعايشي، رئيس وزراء حكومة تأسيس، الذي قال أمس في ذكرى الاستقلال:
“إن الدولة السودانية التي تأسست في العام 1956، قامت على رؤى ضيقة وبنية مختلة، فرضت تعريفًا أحاديًا للهوية اختزل السودان في بعد ثقافي وديني واحد، أسس لأزمة بنيوية قادت للحروب وعدم الاستقرار.”
بيد أن التعايشي لم يكتف بالوصف والتوصيف فحسب، بل ذهب للتنبيه أيضا الي: “أن حكومته تنظر إلي الإصلاح المطلوب بوصفه تأسيس تاريخي شامل لإعادة بناء الدولة السودانية علي مباديء جديدة عادلة وقابلة للاستمرار، وليس مجرد تسويات”.
إذًا فها نحن نجني اليوم ثمن ذلك الظلم الطويل.
كل إقليم يحمل الآن جرحًا، وكل قبيلة تحمل ذاكرة إقصاء، وكل مجموعة ثقافية تحمل سؤالًا مؤجلًا: هل نحن من هذا الوطن، أم ضيوف عليه؟
فإن لم يُسمَع هذا السؤال، وإن لم يُجب عليه بمشروع شامل يعيد تعريف الدولة نفسها، فلا مفرّ من أن تنهض الأقاليم لتكتب أجوبتها بدمها، أو حتي بخروجها عن هذا المعطف الخانق تماما.
عموما فقد بدأ ذلك بالفعل.. ففي الغرب، تُعلن حكومات أمر واقع.
وفي الشرق، تُرفع رايات ما يشبه التمرد.
وفي الجبال، يُقرَع ناقوس الفكاك.
لكن يا هؤلاء هل تسمعون؟
إن استمرار التعاطي مع “سودان النهر” وحده بحسبان أنه الدولة،
سيبقي هو أقصر طريق لإنهيار السودان كله.
علي أية حال، فعلي من يكتبون المبادرات ويرسمون الخرائط علي ورق البردي، أن ينظروا إلى سودان لا يُرى، لا زال يقبع وراء هذا النهر، شرقا وغربا.
الجميل الفاضل يكتب: حين يتململ السودان الذي لا يُرى؟
مقالات ذات صلة

