تحت ضباب “هيمالايا” الذي يغطي سماء إسلام آباد، ربما تُعجن اليوم ملامح باهتة لإسطورة الشرق الأوسط القديمة المتجددة.
سكون مؤقت يسبق العاصفة:
لم تكن رحلة الوفد الإيراني برئاسة “قاليباف” وعراقجي المرتقبة عبر الحدود، ولا هبوط طائرة “جيه دي فانس” وكوشنر اليوم، مجرد جولة دبلوماسية؛ بل هي تحليق خطر فوق نسيج من الألغام الاستراتيجية، لتصبح “هدنة الأسبوعين” مجرد سكون مؤقت يسبق العاصفة، فالمقترح الإيراني ذو النقاط العشر يبدو كجسر من زجاج يحاول الجميع العبور فوقه علي حافة هاوية.
“كود” العبور الآمن:
بينما تجري المحادثات في غرف موصدة، يبقى السؤال الأهم الذي يقرع طبول القلق في كواليس القرار: هل تملك مفاوضات إسلام آباد “كود” العبور الآمن عبر حقل ألغام “وحدة الساحات”؟.
أم أن هذا المبدأ سيغدو “الصخرة” التي تتحطم عليها أحلام التسوية؟
عقيدة “الجسد الواحد”: تجعل الحليف جزءاً من الذات.
إذ ليست “وحدة الساحات” مجرد مصطلح عسكري في قاموس فيلق القدس، نحته قبل مقتله قاسم سليماني، لكنها “عروة وثقى” جِيوسياسية صُهرت على مدى أربعة عقود.
حمي الجسد الواحد:
هي العقيدة التي تجعل من بيروت، وصنعاء، وبغداد، ودمشق، جزء من جسد واحد؛ إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالصواريخ والمسيّرات.
أمس، وعشية التفاوض، لم يكن “مجتبى خامنئي” يلقي رثاءً عادياً في ذكرى مقتل والده، بل كان يجدد كتابة خطوطه الحمراء حين قال: “جبهات المقاومة كيان موحد لا يقبل القسمة”.
كانت تلك الرسالة بمثابة “غمزة” لمفاوضه الإيراني في باكستان: لا اتفاق ثنائياً يترك الحلفاء في مهب الريح.
علي تضاريس هذا اللغم تضيق المسافة بين الدبلوماسية والانفجار؟
ففي إسلام آباد، لا يصطدم المفاوضون بالنصوص فقط، لكن بواقع ميداني يغلي.
المفارقات الدامية:
إذ بينما يسود صمت المدافع بين طهران وواشنطن، تمارس إسرائيل سياسة “الكي الجراحي” في لبنان.
فقصف بيروت والضاحية ليس مجرد عمليات عسكرية، إنما هي محاولة إسرائيلية لفك الارتباط العضوي بين طهران وأذرعها، راح قربانا لها ثلاثمائة وثلاثة لبناني في يوم واحد.
هنا قد يجد المفاوض الإيراني نفسه أمام “فخ” أخلاقي واستراتيجي: هل يبيع “وحدة الساحات” مقابل رفع العقوبات؟.
صراع الإرادات:
واشنطن تريد “اتفاقاً نظيفاً” يخص الملف النووي والملاحة في هرمز، بينما تصر طهران على أن أمنها من أمن ضاحية بيروت الجنوبية.
وفي زاوية المسرح الأخرى، يقف “نتنياهو” ملوحاً بغصن زيتون ملطخ بدماء أربعاء بيروت الأسود، عارضاً على لبنان الرسمية المفاوضات تحت النار بشرط “نزع سلاح حزب الله”، وهو ما تعتبره طهران انتحاراً سياسياً.
الفخ الكبير:
تحول الأرز من وطن إلى “ساحة استنزاف”.
هنا الانقسام الداخلي اللبناني يغذي التوتر؛ يخشى البعض الفوضى، ويرى آخرون أن “وحدة الساحات” هي التي جعلت لبنان رهينة في لعبة “شطرنج” كبرى لا تملك فيها حق تحريك قطعها.
سيناريوهات “فوق الصفيح الساخن”:
خلف الستائر الباكستانية، يتأرجح المصير بين ثلاثة مسارات، أحلاها مرّ:
سيناريو “التخدير الموضعي:
ترحيل الأزمات الكبرى، بأن يتم الاتفاق على الملاحة في هرمز وتخفيف جزئي للعقوبات، مع إبقاء ملف “وحدة الساحات” في “غرفة الانتظار”.
هو شراء للوقت ربما، تلملم فيه إيران جراحها، وتتنفس فيه أمريكا الصعداء قبل الانتخابات النصفية التي تنذر بتقلبات في الداخل الأمريكي.
سيناريو “الانحناء للعاصفة”:
تنازلات تكتيكية إيرانية في لبنان (تراجع جغرافي أو ترتيبات حدودية) مقابل مكاسب استراتيجية كبرى في الملف النووي.
هو “تجميد” للمبدأ دون إعلانه موته.
سيناريو “الارتطام العظيم”:
حين تصطدم “وحدة الساحات” بالاصرار الأمريكي-الإسرائيلي، لابد آن تنهار هذه الهدنة الهشة، لتشتعل الجبهات من جديد من باب المندب إلى مياه المتوسط.
ورقة إيران الذهبية؟
لكن تظل ورقة “مضيق هرمز” هي الجوكر الذي تخبئه طهران تحت الطاولة، بينما يظل لبنان هو “الخاصرة الرخوة” التي يضغط عليها كافة الخصوم.
إذاً فإن مفاوضات إسلام آباد ليست مجرد بحث عن حلول، بل هي اختبار لمدى “مرونة” العقائد أمام “صلابة” المصالح.
المتبقي من الأيام الخمسة عشر القادمة، ستجيب على السؤال الصعب: هل ينجح الدبلوماسيون في تفكيك الصواعق، أم أن الدخان المتصاعد من “حقل الألغام” سيحجب الرؤية تماماً، معلناً فشل “معجزة” إسلام آباد؟
الرهان هائل، والثقة معدومة، والساعة الرملية لا تتوقف عن نزف مزيد من المفاجأت.

