الأحد, فبراير 1, 2026
الرئيسيةاخبار سياسيةالجميل الفاضل يكتب:حربنا هذه فرع من حرب بلا حدود؟!

الجميل الفاضل يكتب:حربنا هذه فرع من حرب بلا حدود؟!

هل إقتربت إدارة ‎ترامب بالفعل من توقيع عقوبات جديدة على ‎بورتسودان ستطال قادة كبار في ‎الجيش، إضافة لأسماء إخوانية بارزة في المشهد، بتهمة التورط باستخدام أسلحة محظورة دوليا، وبجرائم حرب؟.
ففي أرض السودان، اندلعت نارٌ لا تُطفأ، حربٌ تُشبه الظلال المتشابكة للأشجار في غابةٍ مُظلمة.
ليست هذه الحرب مجرد صدام بين قوتين غاشمتين، هما الجيش والدعم السريع، لكنها في ظني، مقطع من لحنٌ حزين في سيمفونية إقليمية واسعة، تتحالف فيها الرياح الشرقية مع العواصف الجنوبية لتقاوم أشباح “الإسلام السياسي”، سواء كان سنياً يرتدي عباءة الإخوان، أو شيعياً يرفرف بعلم إيران.
أتصور السودان كقلبٍ ينبض في جسد هذه المنطقة، يتدفق منه الذهب كالدم، والنيل كالشريان، يعبث الآن بمصيره الإخوان المسلمين، تلك الظلال الخفية التي غزت جيشه كالسرطان، لتشعل فتنة تسعي عبرها لاستعادة فردوس سلطتها المفقود.
هكذا حين يتحالف البرهان مع أشباح حكم البشير، يرفضون الوساطات كأنها سمٌ يُذيب قوة نفوذهم، ويُغذون الصراع بكتائب “البراء بن مالك”، تلك السيوف الجهادية التي تُقاوم عودة الحكم المدني والديمقراطية كأنها كفر بواح.
ومن طهران البعيدة، تأتي الرياح السوداء، تحمل طائرات مسيرة وأسلحة كالغيوم المُمطرة بالموت، فإيران ترى في السودان علي الأقل، جبهةً ناضجة ينبغي أن يقطفها حلف المقاومة قبل فوات الأوان، لتلتحق سياسيا بذلك الهلال الشيعي الذي يمتد ذيله من بيروت إلى صنعاء، مروراً ببغداد.
إذ حين تبكي السماء صواريخاً في غزة، وتقاتل حماس كرمز سني إخواني جريح محاصر، رغم أنه من خزائن طهران الشيعية يُمول، فإن العالم لا ينسي بالقطع أن السودان كان محطة وممرا الي وقت قريب لتهريب السلاح الي هذه المنظمة المارقة ذاتها.
وللحقيقة فقد كانت هنالك أنفاق لا زال تحت الأرض، يتردد بداخلها كذلك حتي صدى حرب البرهان الراهنة، فالإسلام السياسي يُرى علي أية حال، كعدو مشترك لأكثر من جهة، يُستهدف من إسرائيل ومن حلفائها، ومن كل تلك الدول التي ترى في الإخوان سرطاناً بإمكانه أن ينهش جسدها.
في اليمن، يُلقي الحوثيون صواريخهم كشواظ النجوم على البحر، لتتجلى صورة الشيعي السياسي كامتداد طبيعي للجمهورية الإسلامية الإيرانية، التي تُهدد الملاحة عبر أذرعها الأخطبوطية، كما يُهدد السودان اليوم الاستقرار الإقليمي بأسره، فالحروب في هذا العصر ليست بعيدة عن بعضها البعض، إذ ثمة خيطٌ ناظم يربط السودان بسواه من كل هؤلاء، عبر الدعم العسكري المباشر، أو عبر قوافل الذهب المهرب.
أما في بغداد ودمشق، فالميليشيات الشيعية تُرقص سيوفها كالأفعى، مدعومة من طهران، تُقاتل ضد “الكفار” كما يُقاتل الإسلاميون في السودان ضد عدو افتراضي اصطنعوه كي يبرروا من خلال محاربته عودتهم الي السلطة، هو “الدعم السريع”، الذي يُروج له اليوم في صورة مرتزقة من اشتات عربية متفرقة عابرة للحدود، ذات نزعة عنصرية عالية، تدعمها وتحركها 17 دولة اجنبية، لتحل بديلا لسكان البلاد الأصليين.
وفي بيروت والضاحية، يُغني حزب الله أغاني المقاومة، يُشكل حلقةً في سلسلة إيرانية تُهدد إسرائيل بل والإرادة اللبنانية الداخلية، لتُربط السودان أيضا عبر التدريب والتسليح الذي يُغذي شرايين هذا الجيش المؤدلج، والكتائب الجهادية التي تناصره.
هذه الحروب ليست منفصلة تماما، إنما هي أنهارٌ دموية تتدفق من نبع واحد لتصب في معركة عنوانها: مواجهة الإسلام السياسي، سواء كان سنياً يُغذيه الإخوان في السودان، أو شيعياً يُمثل أذرعا طويلة لإيران.
لكن هناك في واشنطن، يجلس حاليا علي كرسي الرئاسة صقر جارح، يُطلق فيتوًا حادًا كالسيف ضد نوري المالكي في بغداد، يحذر العراق: “إن عُيِّن المالكي رئيساً للوزراء، فإن أمريكا لن تساعدكم بعد اليوم”، معتبراً سياساته “مجنونة” أدت إلى الفقر والفوضى.
هذا الفيتو ليس مجرد كلمات، بل إشارة إلى رفض قيادات موالية لإيران، تلك التي تُغذي الإسلام السياسي الشيعي.                                       
وفيما يشبه نهج ذلك “الفيتو” أيضا، كان قد إتفق في سبتمبر الماضي وزراء خارجية امريكا والسعودية ومصر والإمارات علي:
“إن مستقبل السودان لا يمكن أن تُمليه الجماعات المتطرفة العنيفة التي تنتمي أو ترتبط بشكل موثق بجماعة الإخوان المسلمين، التي أدى نفوذها المزعزع للاستقرار إلى تأجيج العنف وعدم الاستقرار في جميع أنحاء المنطقة”.
كما تعهدوا ب”التصدي للتهديدات الأمنية العابرة للحدود من المنظمات الإرهابية والمتطرفة، والظروف التي تسمح لها بالانتشار”.
بل وفي تصريحاته عن ايران نفسها، يتجاوز ترامب حدود الدبلوماسية التقليدية ليقول: ليس النووي أو الصواريخ فحسب، بل “إزالة حكم الملالي”.
يهدد بضربات قاسية تُلهم المتظاهرين، ويُرسل أساطيل بحرية كالغيوم الداكنة، يُعلن أن “الوقت والصبر ينفدان”، وأن التغيير قادم، ربما بالضغط أو بالقوة، ليُنهي كهنوت عصر الملالي.
وفق هذه الفرضية، يصبح السودان جزءاً من لوحة كبرى، حيث تُرسم بالدماء حدود حروب إقليمية أخري، تُستهدف فيها الجماعات الإسلامية المتطرفة كأشجارٍ ضارة يجب اقتلاعها.
بيد أن اقتلاع الإخوان من السلطة في السودان، وقصقصة نفوذهم داخل الجيش، بات يتناسب بالضرورة مع استراتيجية أمريكية جديدة تحت إدارة ترامب التي تصنف فروع الإخوان في مصر ولبنان والأردن كمنظمات إرهابية، وتهديدات بالعقوبات على من يتحالف معهم، مع دعم ضمني لأية قوى مضادة تعد سيفاً ضد الإخوان في أيما مكان.
فيما تُراقب اسرائيل من بعيد كالنسر، خوفاً من تحول السودان إلى قاعدة إيرانية متقدمة.
تمضي الأشباح والظلال الإسلامية السياسية تُصر بإلحاح على الاستمرار، تأبي أن تغادر أو تُموت، في انتظار قدر كبير يقود في النهاية الي إقتلاعها فقط لا غير.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات