الثلاثاء, يونيو 9, 2026
الرئيسيةاخبار سياسيةالجيش السوداني… عقيدة قتالية مهزوزة وعتاد حربي يفر منه الجنود

الجيش السوداني… عقيدة قتالية مهزوزة وعتاد حربي يفر منه الجنود

تقرير – صحيح السودان

منذ عشرين عاماً يُصدر موقع “جلوبال فاير باور” (Global Firepower) تقريره السنوي الذي يُصنّف جيوش العالم ويُقيّم قدراتها العسكرية المقارنة، والذي بات يحظى بتداول واسع في وسائل الإعلام.

وفي كل مرة يُشير فيها مسؤول أو صحفي إلى مكانة بلده العسكرية، يجد هذا التقرير طريقه إلى المقال أو التصريح كأنه مرجع لا يُطعن فيه.

لكن ما يغفله هؤلاء أن الموقع نفسه لا يدّعي أكثر مما هو عليه. فهو يُعرّف نفسه صراحةً بأنه مصدر للترفيه والمرجعية العامة والقيمة التاريخية، لا مؤسسة تحليلية استراتيجية معتمدة. ومع ذلك، تحوّل مع الوقت إلى مرجع يُستشهد به في نقاشات جدية تتعلق بالأمن الإقليمي وموازين القوى.

إلا أن الناظر بعين الفحص والتدقيق يجد أن المشكلة الحقيقية في المنهجية التي يتبعها. فالتصنيف يقيس ما هو قابل للعدّ مثل الدبابات والطائرات والجنود وكذلك الميزانيات. أما ما لا يُعدّ، كالكفاءة القتالية، وجودة القيادة، والتدريب، والمرونة الميدانية، فلا مكان له في هذه المعادلة، إذ لا تُدرج المنهجية الخبرة القتالية الفعلية، ولا تُفصح عن تفاصيل صيغتها الحسابية، والأدهى أن التصنيف يعتمد بشكل رئيسي على مؤشرات صلبة كالإنفاق العسكري وأعداد الأسلحة، مع إغفال عوامل الكفاءة القتالية الحقيقية كالتدريب والاستخبارات والعمق الاستراتيجي، وهذا خلل منهجي لا يمكن تجاهله.

الرقم الذي يُطمئن

يضع تقرير 2026 السودان في المرتبة السادسة والستين من أصل 145 دولة، بمؤشر قوة يبلغ 1.3563.

(مؤشر القوة هو الرقم الذي يُصدره Global Firepower لكل دولة، وكلما اقترب من الصفر كانت الدولة أقوى نظرياً).

رقم يوحي بجيش متماسك يمتلك ثقلاً إقليمياً. وعلى الورق، ثمة ما يسنده، حيث يشير إلى وجود 184 طائرة عسكرية، بينها 91 طائرة مقاتلة، و224 دبابة رئيسية.

بل إن بعض المصادر تحدثت عن أن سلاح المدرعات السوداني وحده يضم نحو 1000 دبابة مختلفة التصنيف العالمي والمحلي، بجانب عدد كبير من المدرعات.

إلا أن الإشكالية الجوهرية أن المؤشر يعدّ ولا يُقيّم، فدبابة صدئة ودبابة تعمل تُحتسبان بالتساوي، وطيار مدرب وآخر غير مدرب لا فرق بينهما في الجدول، وهذا بالضبط ما كشفته الحرب السودانية.

وحرب أبريل كانت بمثابة الاختبار الحقيقي الذي لا تُحسن تقارير من هذا القبيل قراءته، لأنه لم يُجرَ في جداول الإحصاء، بل على أرض العاصمة الخرطوم، مقر قيادة الجيش نفسه.

سقوط القناع

في الخامس عشر من أبريل 2023، اندلعت الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في العاصمة الخرطوم، وتمركزت الاشتباكات في يومها الأول حول القصر الرئاسي ومطار الخرطوم الدولي، لتمتد لاحقاً إلى ولايات أخرى كالجزيرة وسنار، ثم لاحقاً دارفور وكردفان.

الطرف المقاتل للجيش كان قوة شبه نظامية تتحرك بسيارات مكشوفة، ومع ذلك وجد كبار قادة المؤسسة العسكرية، بما فيهم القائد العام نفسه، محاصرين في مقر القيادة العامة لأشهر.

وكشفت تقارير صحفية أن الحرس الرئاسي المنوط بحماية القيادة لم يكن يملك سوى 400 مقاتل و3 دبابات وعدد من العربات المدرعة، في مواجهة أكثر من 200 سيارة قتالية مجهزة بأسلحة فتاكة أحاطت بالقيادة العامة من كل الاتجاهات.

أربعة أشهر من الحصار على القيادة العامة في وسط الخرطوم، وجيش تقول عنه الأرقام إنه في المرتبة 66 بين جيوش العالم، لم يجد طريقاً لتحرير مقره من قبضة قوات مسلحة بالسيارات والرباعيات.

حقيقة الدبابات الألف

لم تحتج الحرب لتكشف الحقيقة في منطقة الشجرة، فقد كشفتها الساحات نفسها قبل أن تُطلق رصاصة واحدة.

مقاطع الفيديو التي تسرّبت من داخل معسكر سلاح المدرعات بالخرطوم، وصور الأقمار الاصطناعية التي شاهدها العالم، أظهرت مشهداً لا يليق بأي جيش محترف.

فظهرت دبابات متناثرة في الساحات المكشوفة، صدئة ومهجورة، كأنها أُعدّت للتقاعد لا للقتال. وورش الصيانة خاوية أو معطلة، والمعدات تتآكل تحت الشمس دون أن يمدّ إليها أحد يداً. هذا كان الحال قبل أي هجوم، وقبل أي حرب.

فحين جاءت قوات الدعم السريع، لم تجد أمامها منظومة قتالية جاهزة، بل وجدت ساحة أشبه بساحات الخردة. وأعلنت لاحقاً تدمير 5 دبابات و4 مدرعات و5 مركبات عسكرية وأسر العشرات من الجنود خلال معاركها حول المعسكر.

أما بقية الآليات فقد آلت إليها غنيمةً دون كثير عناء. أسقطها الإهمال قبل أن يُسقطها العدو. وهو درس لم يكن Global Firepower ليسأل عنه يوماً، لأن الصدأ لا عمود له في جداول التصنيف.

طائرات تسقط لا تطير

الصورة في القوات الجوية لا تختلف كثيراً، حيث شهدت الحرب خسائر جوية موثقة أمام العالم أجمع.

في أكتوبر 2024، أسقطت قوات الدعم السريع طائرة إليوشين IL-76 كانت تحمل معدات وإمدادات طبية في مهمة للفاشر، فوق منطقة المحلة بشمال دارفور، وقُتل جميع أفراد طاقمها الخمسة على متنها.

وتكررت الضربة بعد عام، حين أسقطت قوات الدعم السريع طائرة إليوشين IL-76 أخرى فوق مدينة بابنوسة بغرب كردفان في نوفمبر 2025، وقُتل جميع من كانوا على متنها، مستخدمةً في ذلك صواريخ صينية الصنع من طراز FK-2000 وفق ما كشفته صور حطام الطائرة.

وأعلنت قوات الدعم السريع، في أبريل 2025، إسقاط طائرة أنتونوف عسكرية سودانية قرب الفاشر، وقُتل طاقمها كاملاً.

فيما شهدت أم درمان حادثة من نوع آخر لا تقل دلالةً، حين تحطمت طائرة عسكرية سودانية على مبنى سكني، وبلغت حصيلة ضحاياها 46 قتيلاً بين عسكري ومدني، من بينهم اللواء بحر أحمد، قائد المنطقة العسكرية المركزية بالعاصمة الخرطوم.

هذه الخسائر الموثقة تكشف عن ثغرة كبيرة، وهي غياب الكفاءة القتالية والتشغيلية لقوات لم تتمكن من إدارة وتشغيل طائرات في بيئة عملياتية نشطة، وباتت تخشى إيصال الإمدادات إلى مدنها وفرقها المحاصرة، وهي تواجه قوات شبه نظامية وليست دولة عدوة لديها مقدرات عسكرية عالية.

تهاوي المدن

يبدو أن الحرب السودانية هي حرب خرائط قبل أن تكون حرب رصاص. فخريطة السيطرة تتغير كل بضعة أشهر، وفي كل تغيير كان الجيش يجد نفسه في مساحة أصغر مما كان عليها.

حين سيطرت قات الدعم السريع على نيالا في أكتوبر 2023 ثاني أكبر مدن السودان وعاصمة جنوب دارفور ومقر قيادة الفرقة 16 مشاة ، كان ذلك إيذاناً بانهيار ثقل الجيش في الإقليم كله.

ثم امتدت الصدمة إلى قلب البلاد، ففي ديسمبر 2023 سيطر الدعم السريع على ود مدني، عاصمة ولاية الجزيرة الخصيبة، إثر انسحاب الفرقة الأولى مشاة في ظروف أثارت من الأسئلة أكثر مما أجابت، حتى اضطرت القيادة العامة إلى فتح تحقيق رسمي في ملابساتها.

ثم جاء دور الفاشر، وكان مختلفاً عما سبقه، فالمدينة خُنقت ببطء. فمنذ مايو 2024 فرضت قوات الدعم السريع حصارها الخانق من الجهات الأربع، وظل الجيش عاجزاً تماماً عن فك ذلك الطوق طوال خمسمائة يوم. وتراجعت معنويات المدافعين تدريجياً بعد فقدان مدينة بارا في شمال كردفان، آخر نقاط الارتكاز التي كان يمكن أن تُشكّل منطلقاً لفك الحصار.

وبالسيطرة على الفاشر في أكتوبر 2025 أحكمت قوات الدعم السريع قبضتها على ولايات دارفور الخمس كاملة وفرقها العسكرية بالكامل، ولم يعد للجيش موطئ قدم في إقليم يمثل نحو ثلث مساحة السودان.

ثم تغيرت الخريطة سريعاً، حيث في مارس 2026 امتدت الخسائر إلى الجنوب الشرقي، حين سيطر الدعم السريع على مدينة الكرمك في ولاية النيل الأزرق على مقربة من الحدود الإثيوبية.

انسحاب نتيجة موقف معين؟

وفي تسجيل صوتي تداوله السودانيون على نطاق واسع، تحدث قائد اللواء 16 مشاة عن اضطراره للانسحاب نتيجة “موقف معين”، وهي عبارة مبهمة لا تصف انسحاباً مدروساً بقدر ما تُخفي خلفها هزيمة أفقدت سلطة بورتسودان موقعاً حدودياً بالغ الحساسية دون أن تجد القيادة تفسيراً مقنعاً تقدمه للرأي العام.

ثمة مؤشر لم يخطر لـ Global Firepower أن يُدرجه في جداوله، وهو ربما أصدق مؤشرات القوة العسكرية على الإطلاق، فمعنويات الجندي وعقيدته التي يقاتل من أجلها ومدى استعداده للثبات حين يضيق الخناق، هو بالضبط ما كشفته الحرب السودانية بصورة لا تقبل الجدل.

ألم يفرّ جنود سودانيون من مواقعهم في أكبر حقل نفطي في البلاد (هجليج) حتى قبل وصول قوات الدعم السريع إلى الحقل، عابرين الحدود إلى دولة جنوب السودان، حيث سلّموا أسلحتهم بالكامل لجيش “جوبا” الذي أعلن الواقعة رسمياً، بل وبث التلفزيون الرسمي لدولة جنوب السودان تقريراً عن الحادثة المهينة مصحوباً بموسيقى برنامج “ساحات الفداء” الشهير؟

انسحاب وفرار وعقيدة مهزوزة

هذا النمط من الانسحابات وحالات الفرار المهينة تكرر في مناطق متعددة وعلى امتداد سنوات الحرب، حيث عبرت وحدات سودانية بكاملها إلى الأراضي التشادية أو الجنوب سودانية، تاركةً معداتها وأسلحتها خلفها أو معها، وشاهد العالم صور تسليم السلاح على الحدود كما لو كانت مشاهد من حرب عالمية انتهت بهزيمة نظامية.

ألم تطالب قيادات قوات الدعم السريع حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور بتسليم عدد من جنود الجيش السوداني والقوات المتحالفة معه، الذين التجأوا إلى مناطق سيطرة الحركة في جبل مرة؟

ألم يكونوا جنوداً من جيش نظامي يلوذون بالاحتماء لدى حركة مسلحة هي في واقع الأمر خصماً لهم، ويجدون أنفسهم ورقة ضغط تتجاذبها الأطراف؟ بل وأعلنت حركة عبد الواحد أنها سيطرت على مناطق في دارفور بعد انسحاب قوات الجيش منها.

الضعف الحقيقي الذي تعجز تقارير التصنيف عن رصده هو عجز العقيدة القتالية. فالعقيدة القتالية والروح المعنوية والإحساس بالانتماء للمؤسسة والاستعداد للتضحية هي الفوارق التي تصنع جيوشاً حقيقية.

إن أعداد الدبابات والطائرات المدرجة في جداول لا تسأل يوماً: هل هذا الجندي مستعدٌّ للقتال، أم أنه يبحث عن طريق إلى الحدود؟ المشكلة الحقيقية هي أن التقرير يكذب، أو بعبارة أخف، لعله يقول نصف الحقيقة فقط، فهو يُحصي ما تملكه، لكنه لا يسألك ماذا تفعل به.

وبين دبابات الشجرة الصدئة، وطائرات تتحطم على الأحياء السكنية، ووحدات تسلّم سلاحها على الحدود، وحصار للقائد العام لم يحدث في تاريخ العسكرية السودانية منذ ما قبل الاستقلال، بين كل هذا وتلك، فإن المرتبة 66 عالمياً مسافة لا تقيسها أي معادلة، فالحروب دائماً أصدق من أي تقرير.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات