كتب: حسين سعد
يشهد النظام الدولي في اللحظة الراهنة واحدة من أكثر مراحله توتراً منذ نهاية الحرب الباردة، مع تصاعد المواجهة العسكرية والسياسية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى في منطقة الخليج والشرق الأوسط، ولا يقتصر هذا الصراع على كونه مواجهة عسكرية تقليدية أو أزمة مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، بل يتجاوز ذلك ليشكل صراعاً استراتيجياً واسعاً حول الطاقة، والممرات البحرية، وإعادة رسم خرائط النفوذ في النظام الإقليمي والدولي.
تمثل منطقة الخليج العربي مركزاً حيوياً في منظومة الاقتصاد العالمي، إذ يمر عبر مضيق هرمز وحده نحو خمس تجارة النفط في العالم، ولذلك فإن أي تصعيد عسكري في هذه المنطقة لا يهدد استقرار الشرق الأوسط فحسب، بل يمتد تأثيره إلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية. ومع اندلاع المواجهة العسكرية منذ أواخر فبراير 2026، وما صاحبها من ضربات متبادلة واستهداف لمنشآت النفط والسفن التجارية، دخلت المنطقة مرحلة جديدة من عدم الاستقرار الاستراتيجي.
لكن تداعيات هذه المواجهة لا تقتصر على الشرق الأوسط وحده، بل تمتد آثارها إلى مناطق أخرى ذات أهمية جيو سياسية مثل القرن الإفريقي والبحر الأحمر، حيث يتقاطع أمن الطاقة العالمي مع طرق التجارة الدولية، وفي هذا السياق يبرز السودان بوصفه دولة تقع في قلب هذا التداخل الجيوسياسي، خاصة في ظل الحرب الداخلية المستمرة منذ عام 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، ومن ثم فإن تطورات الحرب في الخليج لا يمكن قراءتها بمعزل عن مستقبل الاستقرار في السودان، إذ قد تسهم التحولات الجارية في إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية، وإعادة ترتيب أولويات القوى الدولية، وهو ما قد ينعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على فرص بناء السلام وإنهاء الحرب السودانية.
حرب الطاقة والسيطرة على الممرات البحرية؟
تدور المواجهة الحالية في الخليج حول قضية جوهرية تتجاوز البعد العسكري المباشر، وهي السيطرة على مصادر الطاقة ومسارات نقلها، مضيق هرمز يمثل أحد أهم الشرايين الاقتصادية في العالم، حيث تمر عبره ملايين البراميل من النفط والغاز الطبيعي يومياً متجهة إلى الأسواق العالمية في آسيا وأوروبا، تكشف الحرب الحالية في الخليج عن طبيعة الصراع الحقيقي في المنطقة، وهو صراع يتمحور بدرجة كبيرة حول التحكم في مصادر الطاقة ومسارات نقلها، ومع تصاعد المواجهة العسكرية، لوّحت إيران بإمكانية استهداف السفن أو تعطيل الملاحة في المضيق، في حين تسعى الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى تأمين حركة التجارة البحرية وضمان استمرار تدفق النفط الخليجي، وفي ظل التصعيد العسكري المتبادل، لوّحت إيران بإمكانية استهداف السفن أو إغلاق المضيق، بينما تعمل الولايات المتحدة وحلفاؤها على تأمين الملاحة البحرية وضمان استمرار تدفق النفط الخليجي إلى الأسواق العالمية، وقد أدى هذا التصعيد إلى عدد من التطورات الخطيرة، من بينها:
ارتفاع أسعار النفط إلى أكثر من 100 دولار للبرميل
تراجع حركة السفن التجارية في المضيق نتيجة المخاطر الأمنية
تنفيذ هجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ على منشآت نفطية وسفن في الخليج: وبذلك لم تعد الحرب مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل تحولت إلى حرب على الطاقة والاقتصاد العالمي، وهو ما يفسر الاهتمام الدولي الواسع بمآلات هذا الصراع.
وفي مقال له بعنوان (تأثير الحرب الإيرانية على أسعار النفط والغاز والسلع الأساسية والأسواق العالمية) نشر في صحيفة الميدان كتب دكتور الهادي هباني :
شهدت أسعار النفط ارتفاعا حادا مع اتساع رقعة الحرب. فقد ارتفع خام برنت إلى حوالي 81-83 دولار للبرميل بزيادة تقارب 5% في جلسة واحدة، وهي أعلى المستويات منذ يناير 2025، (Reuters, 2026). كما صعد خام غرب تكساس الوسيط إلى حدود 74-76 دولار للبرميل في نفس الفترة (المرجع السابق ذكره). وهنلك توقعات لوصول أسعار النفط خلال اسبوعين إلي حوالي 150 دولار للبرميل.
ويُعزى هذا الارتفاع المتسارع في أسعار الطاقة إلى المخاوف بشأن توقف أو تباطؤ الإمدادات عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره ما يقارب 20 مليون برميل من النفط يوميا، أي نحو 20-25% من تجارة النفط البحرية العالمية،(Al Jazeera, 2026). وتشير تقديرات قولدمان ساكس إلى أن علاوة المخاطر الجيوسياسية أضافت ما يقارب 14 دولار للبرميل للأسعار الفورية (Goldman Sachs, 2026).
كما توقعت بلومبيرج لتمويل الطاقة المتجددة أن يؤدي استمرار تعطّل الإمدادات الإيرانية إلى رفع متوسط سعر خام برنت إلى حوالي 91 دولار للبرميل بحلول الربع الرابع من 2026، (Bloomberg NEF, 2026).
ومضي الهادي بالقول :ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا بأكثر من 30% خلال الأيام الأولى من التصعيد، مدفوعة بمخاوف تعطّل شحنات الغاز الطبيعي المسال (LNG) من الخليج(The Guardian, 2026) . ونظرا لأن المنطقة تمثل قرابة 20% من تجارة الغاز المسال العالمية، فإن أي تهديد لخطوط الشحن ينعكس سريعا على الأسعار الفورية والعقود المستقبلية (Al Jazeera, 2026).

شبكة التحالفات الدولية في الحرب؟
تكشف الحرب الحالية عن بنية معقدة من التحالفات الإقليمية والدولية التي تتقاطع مصالحها في الخليج والشرق الأوسط
الولايات المتحدة وإسرائيل: تهدفان الي تحقيق عدة أهداف استراتيجية، أبرزها:
تقليص القدرات الصاروخية والعسكرية الإيرانية، ومنع إيران من تطوير سلاح نووي، وحماية أمن الخليج وضمان استمرار تدفق النفط.
إيران ومحور حلفائها: تسعى إيران إلى استخدام مجموعة من أوراق الضغط الاستراتيجية، من بينها
تهديد الملاحة في مضيق هرمز، واستهداف المصالح الأمريكية في المنطقة، وتوسيع نطاق المواجهة عبر حلفائها الإقليميين.
أخيرا :دول الخليج: تقف دول الخليج في موقع حساس بين عاملين متناقضين هما :
الاعتماد الأمني على الولايات المتحدة.
الخوف من ردود الفعل الإيرانية على أراضيها ومنشآتها النفطية.
البحر الأحمر جبهة استراتيجية جديدة؟
مع تصاعد التوتر في الخليج، تزداد أهمية البحر الأحمر بوصفه أحد أهم الممرات البحرية العالمية المرتبطة مباشرة بالتجارة الدولية عبر قناة السويس ومضيق باب المندب، و يمثل البحر الأحمر أحد أهم الممرات البحرية العالمية، إذ يربط بين المحيط الهندي والبحر المتوسط عبر قناة السويس ومضيق باب المندب. وتتحرك عبره نسبة كبيرة من التجارة العالمية وناقلات النفط القادمة من الخليج، وخلال السنوات الأخيرة تحولت هذه المنطقة إلى ساحة تنافس استراتيجي بين عدة قوى دولية وإقليمية، من بينها؟
الولايات المتحدة، روسيا، الصين، إيران، السعودية، الإمارات.
وفي هذا السياق يبرز السودان كدولة محورية تطل على أحد أطول السواحل على البحر الأحمر، الأمر الذي يجعله جزءاً أساسياً من المعادلة الأمنية المرتبطة بحماية طرق التجارة العالمية، ولهذا السبب أصبح استقرار السودان قضية لا ترتبط فقط بسياساته الداخلية، بل أيضاً بالأمن الإقليمي والدولي؟
انعكاسات الحرب على السودان ؟
يمكن تلخيص تأثيرات الحرب في الخليج على السودان في ثلاثة مستويات رئيسية. في ظل هذه التطورات، لم يعد السودان مجرد ساحة لصراع داخلي، بل أصبح جزءاً من المعادلة الجيوسياسية الأوسع في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، فموقع السودان الجغرافي يضعه عند تقاطع ثلاثة فضاءات استراتيجية.
أولا : البعد الاقتصادي :
يعتمد السودان بدرجة كبيرة على استيراد الوقود والقمح، وبالتالي فإن ارتفاع أسعار النفط سيؤدي إلى زيادة معدلات التضخم، وارتفاع تكاليف النقل والإنتاج، وتفاقم الأزمة الاقتصاديةن وهو ما قد يضاعف الضغوط الاجتماعية والسياسية في بلد يعاني أصلاً من أزمة اقتصادية عميقة نتيجة الحرب.
وفي ذات السياق قال دكتور الهادي هباني في مقاله الذي أشرنا لها أعلاه :يُعَدُ السودان من الاقتصادات الهشة والمعتمدة على الاستيراد، خصوصا للوقود والقمح. ومع ارتفاع النفط عالميا بنسبة 5–8% خلال أيام قليلة (Reuters, 2026)، ترتفع تكلفة الاستيراد والشحن بدون إنذار أو إذن مسبق، ما يزيد الضغوط على سعر الصرف ومعدلات التضخم وينعكس بدوره علي حياة المواطنين لتصبح جحيماً لا يطاق.
كما أن ارتفاع تكاليف النقل والأسمدة التي تعتمد بشكل أساسي علي الغاز المسال عالمياً يؤدي إلى زيادة أسعار الغذاء، وهو ما قد يفاقم معدلات التضخم المرتفعة أصلًا ويؤثر على الأمن الغذائي.
ثانياً : البعد السياسي:
انشغال القوى الدولية بالحرب في الشرق الأوسط قد يؤدي إلى تراجع الاهتمام الدولي بملف السودان، وتباطؤ جهود الوساطة الدولية، وإطالة أمد الحرب الداخلية، لكن في المقابل قد تدفع المخاوف الدولية على أمن البحر الأحمر إلى زيادة الضغوط لإنهاء الحرب السودانية.
ثالثاً :البعد الأمني:
قد يتحول السودان إلى ساحة تنافس غير مباشر بين القوى الإقليمية والدولية، خاصة في ظل موقعه الاستراتيجي، وضعف مؤسسات الدولة، وتعدد الفاعلين المسلحين.

رابعاً: السودان في معادلة البحر الأحمر
يمتلك السودان موقعاً جيوسياسياً بالغ الحساسية في منظومة الأمن الإقليمي، إذ يربط بين القرن الإفريقي والشرق الأوسط عبر البحر الأحمر. ومع تصاعد الصراع الدولي حول طرق التجارة والطاقة، تزداد أهمية الموانئ السودانية وموقع البلاد في حسابات القوى الدولية، وفي حال توسعت الحرب في الخليج، قد تصبح الدول المطلة على البحر الأحمر – ومن بينها السودان الي نقاط إرتكاز في الصراع الدولي من خلال النفوذ السياسي او الوجود العسكري او المنافسة الاقتصادية.
خامساً: مواقف الحكومة والقوي المدنية :
تحاول الحكومة السودانية التي تدير البلاد من بورتسودان تبني سياسة الحياد الحذر تجاه الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، فهي من جهة لا ترغب في خسارة الدعم السياسي والاقتصادي من دول الخليج، ومن جهة أخرى تسعى إلى تجنب الانخراط في مواجهة مباشرة مع إيران أو حلفائها، ولهذا تميل الخرطوم إلى سياسة النأي بالنفس، مع الحفاظ على علاقاتها مع الأطراف الداعمة لها: فهي تسعى إلى
الحفاظ على علاقاتها مع دول الخليج الداعمة لها، وتجنب الدخول في مواجهة مع إيران أو حلفائها، وتفادي الانخراط في صراعات المحاور الإقليمية، لكن هذا التوازن يبقى هشاً في ظل تعقيدات الصراع الإقليمي.
من جهتها تميل القوى المدنية السودانية، إلى تبني موقف يقوم على رفض الانخراط في صراعات المحاور الإقليمية، والدعوة إلى تحييد السودان عن النزاعات الدولية، والتركيز على أولوية وقف الحرب وبناء الدولة المدنية، ووترى هذه القوى أن انخراط السودان في صراعات المنطقة قد يؤدي إلى تعقيد الأزمة الداخلية وإضعاف فرص السلام.
سادساً: تصنيف الحركة الإسلامية السودانية
ومع تصاعد الحرب في الخليج وتزايد الاستقطاب الدولي حول إيران ومحور حلفائها، برزت فرضية جديدة مفادها اتجاه بعض القوى الدولية إلى إعادة تقييم علاقاتها مع الفاعلين السياسيين في السودان، بما في ذلك تشديد المواقف تجاه شبكات أو تيارات مرتبطة بالحركة الإسلامية، ومؤخراً أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية، الاثنين، جماعة الإخوان المسلمين السودانية “منظمة إرهابية عالمية”، واعتزامها تصنيفها “منظمة إرهابية أجنبية، اعتبارا من 16 مارس الجاري، وقالت الخارجية في بيان إن “الجماعة، التي تتكون من الحركة الإسلامية وجناحها المسلح كتيبة البراء بن مالك، تستخدم العنف المفرط ضد المدنيين لتقويض جهود حل النزاع في السودان ونشر أيديولوجيتها الإسلامية المتطرفة، وكانت واشنطن قد أدرجت كتيبة البراء بن مالك على قائمة العقوبات بموجب الأمر التنفيذي رقم 14098 في سبتمبر 2025 لـ”دورها في الحرب الوحشية في السودان” كما جاء في بيان رسمي. (ملحوظة) سنعود الي موضوع تصنيف الحركة الإسلامية في السودان بتحليل أخر.
عملياً أصبح ملف تصنيف الحركة الإسلامية السودانية جزءاً من التفاعلات الجيوسياسية الأوسع التي تربط بين صراعات الشرق الأوسط والتحولات السياسية في السودان، وفي هذا السياق قد تتعرض بعض الشبكات المرتبطة بالحركة الإسلامية السودانية لضغوط دولية متزايدة، خاصة إذا تم ربطها بشبكات شبكات تمويل عابرة للحدود، ودعم جماعات مسلحة، وعلاقات مع قوى إقليمية معادية للغرب، وهو ما قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الضغوط السياسية والدبلوماسية على السودان.
أخيراً: السيناريوهات المحتملة للحرب
السيناريو الأول: حرب محدودة
تبادل ضربات عسكرية دون توسع كبير للحرب، مع استمرار التوتر الإقليمي
السيناريو الثاني: حرب إقليمية واسعة: قد تشمل استهداف منشآت النفط الخليجية، وتوسع المواجهة إلى عدة دول في المنطقة، واضطراب كبير في الاقتصاد العالمي
السيناريو الثالث: تسوية سياسية:
قد يتم التوصل إلى اتفاق جديد بين الولايات المتحدة وإيران حول البرنامج النووي الإيراني وترتيبات الأمن الإقليمي
الخاتمة من المحرر؟
إن الحرب الجارية في الخليج تمثل لحظة مفصلية في إعادة تشكيل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط. فهي ليست مجرد مواجهة عسكرية بين دولتين، بل صراع متعدد الأبعاد يشمل الطاقة، والممرات البحرية، والتحالفات الجيوسياسية، في هذا السياق يصبح السودان جزءاً من معادلة استراتيجية أوسع، حيث يتقاطع موقعه الجغرافي مع مصالح القوى الكبرى في البحر الأحمر والقرن الإفريقي. غير أن مستقبل السودان لن يتحدد فقط بتوازنات القوى الإقليمية والدولية، بل أيضاً بقدرة السودانيين أنفسهم على إنهاء الحرب الداخلية وبناء دولة قادرة على حماية استقلال قرارها الوطني، قبل أن يتحول السودان إلى ساحة جديدة لصراعات المنطقة؟

