الثلاثاء, مارس 3, 2026
الرئيسيةمقالاتالدبلوماسية السودانية وإشكالية الهوية: قراءة نقدية في مسارات الإقصاء وآليات البناء الوطني...

الدبلوماسية السودانية وإشكالية الهوية: قراءة نقدية في مسارات الإقصاء وآليات البناء الوطني (1956-2026)(2 – 3)


دكتور صابر أبوسعدية (أفريكا)
(المدير التنفيذي لمركز اوبنتو للسلام والدراسات الاستراتيجية)

3 مارس 2026
وُلدت الدولة السودانية مثقلة بإرث استعماري رسّخ الانقسام، وبصيغة سياسية واجتماعية لم تحسم جدلية “الهوية”. لم يتم الاتفاق على دستور دائم للبلاد، وظل العمل بدستور مؤقت، في ظل غياب عقد اجتماعي جامع يحدد هوية الدولة وعلاقتها بمواطنيها.
بحثنا في الحلقة السابقة عن تاريخ الدبلوماسية عالمياً منذ النشأة وتغيراتها مع مرور الزمن. وتناولنا تاريخ الدبلوماسية السودانية منذ خروج المستعمر، فتحدثنا عن الديمقراطية الأولى، ومن ثم عهد عبود، وكان تركيزنا على دبلوماسية في عهد نميري.
في هذا الجزء الثاني من مقالاتنا نتناول المدخل الفلسفي لجذور الأنظمة الشمولية للفيلسوفة حنة أرندت وعالم السياسة زبيغنيو بريجنسكي أصول الشمولية – The Origins of Totalitarianism ومن ثم نحلل طبيعة الدبلوماسية السودانية خلال فترة حكم الإسلاميين (1989–2019)، ومدى انحيازها وتأثير الأيديولوجيا على موقع السودان الإقليمي والدولي.
قبل الخوض في دبلوماسية عهد الإخوان المسلمين، من الضروري فهم طبيعة هذه الأنظمة الديكتاتورية الشمولية. تعريفها الأكاديمي هو شكل من أشكال الحكم المطلق حيث تتركز السلطة في يد فرد أو مجموعة صغيرة. أما الشمولية (كما في ألمانيا النازية وروسيا الستالينية) فهي نسخة متطرفة من الديكتاتورية، لا تكتفي بالسيطرة السياسية، بل تهدف إلى الهيمنة الكاملة على جميع جوانب الحياة، العامة والخاصة، بما في ذلك الفكر والثقافة، وتعبئة المجتمع خلف أيديولوجية رسمية شاملة.
لم تكن الدبلوماسية في هذه الأنظمة مجرد أداة تقليدية لإدارة العلاقات الخارجية، بل كانت امتداداً طبيعياً لطبيعتها الداخلية. على سبيل المثال، كانت الأيديولوجية هي قائد السياسة الخارجية، حيث كانت السياسة الخارجية تخضع بالكامل للأيديولوجية الحاكمة. بالنسبة لألمانيا النازية، كانت السياسة الخارجية موجهة بهدف تحقيق “المجال الحيوي” (Lebensraum) وهيمنة العرق الآري، وهو ما أدى إلى سياسة توسعية وعدوانية. أما في الاتحاد السوفيتي الستاليني، فكانت الدبلوماسية تخدم الصراع الطبقي العالمي وتعزيز “وطن الاشتراكية” في مواجهة العالم الرأسمالي. وعليه، استُخدمت الدبلوماسية كأداة للدعاية في المحافل الدولية كمنصة لنشر أيديولوجيتها وتحسين صورتها الخارجية، بينما تمارس القمع في الداخل، وكذلك لزعزعة استقرار الأنظمة الأخرى ودعم حركات مماثلة لها في الخارج لتصدير أيديولوجيتها. فأصبح الدبلوماسيون مجرد منفذين لسياسات الحزب الحاكم، وفقدوا أي استقلالية مهنية، وأصبح ولاؤهم الأيديولوجي هو المعيار الأساسي للاختيار والتقييم، وليس كفاءتهم الدبلوماسية.
السؤال الجوهري: كيف نظرت الفلسفة السياسية إلى هذه العلاقة؟ قدمت الفيلسوفة حنة أرندت في كتابها المؤثر “أصول الشمولية” تحليلاً عميقاً لفهم هذه الآليات. ترى أرندت أن الأنظمة الشمولية تسعى إلى هيمنة كاملة وغير محدودة، وتوضح أن هذه الأنظمة تقوم على تدمير الفضاء العام واستبداله بكتلة واحدة صماء غير قابلة للتمييز، مما يجعل الدبلوماسية الحقيقية القائمة على التفاوض والاعتراف بالآخر مستحيلة. بالإضافة إلى قضية الإرهاب الأيديولوجي كأساس للحكم، وهذا ينعكس في سياسة خارجية تقوم على التوسع والإخضاع بدلاً من التعاون والندية.
على حسب أدبيات الكتاب والعلماء في الشؤون الدبلوماسية هناك وظائف أساسية: أولاً: تحليل وشرح الخيارات الاستراتيجية لصناع القرار، ثانياً: صياغة وتنفيذ السياسة الخارجية عبر التمثيل الدبلوماسي والقنصلي، ثالثاً: التنسيق مع الوزارات الأخرى لتوحيد توجه الدولة، وأخيراً الدفاع عن مصالح الدولة والمواطنين في الخارج. نجد أن كل هذه الوظائف تتطلب جهازاً دبلوماسياً مهنياً مستقلاً نسبياً، ومسار توظيف يقوم على الكفاءة لا الولاء، وبيئة تسمح بالتفكير النقدي، وإدارة مركزية قادرة على اتخاذ موقف موحد.
جذور الانحياز الأحادي في الدبلوماسية السودانية (1989 – 2019)
تفترض الدراسة أن السياسة الخارجية في المرحلة الأولى من حكم الإسلاميين اتسمت بطابع عقائدي واضح، مما أدى إلى عزلة دولية وعقوبات اقتصادية، قبل أن تتحول لاحقاً إلى براغماتية اضطرارية تحت ضغط البيئة الدولية. وعليه تعتمد الدراسة على المنهج التحليلي التاريخي لفحص التحولات في سلوك النظام الشمولي الخارجي خلال ثلاثين عاماً من الحكم.
السؤال الموضوعي في هذا الجزء من البحث: إلى أي مدى كانت الدبلوماسية السودانية خلال حكم الإسلاميين دبلوماسية انحيازية أيديولوجياً؟ وما أثر ذلك على مكانة السودان الإقليمية والدولية؟
للإجابة على السؤال أعلاه يجب تقسيمه إلى مرحلتين: اتسمت المرحلة الأولى (1989–1999) بانحياز أيديولوجي واضح في السياسة الخارجية، مما أدى هذا الانحياز إلى عزلة دولية وعقوبات اقتصادية. شهدت المرحلة الثانية (2000–2019) تحولاً نحو البراغماتية نتيجة الضغوط الدولية.
تعتمد الدراسة في الإطار النظري على نظرية الواقعية السياسية (Realism) التي تفترض أن المصلحة الوطنية هي المحرك الأساسي للدول. بالإضافة إلى نظرية البنائية (Constructivism) التي تؤكد دور الهوية والأيديولوجيا في تشكيل السلوك الخارجي. وتجادل الورقة بأن السودان في التسعينات تحرك وفق منطق بنائي أيديولوجي أكثر من كونه واقعياً مصلحياً.
المرحلة الأولى (1989–1999): الدبلوماسية العقائدية وتصدير المشروع الأيديولوجي
لقد تبنى النظام خطاباً ثورياً إسلامياً، وسعى لبناء شبكة علاقات مع حركات إسلامية في المنطقة. وقد شكلت استضافة شخصيات مثيرة للجدل – مثل أسامة بن لادن في التسعينات – نقطة تحول في علاقة السودان بالغرب. بعدها دخل النظام مرحلة العقوبات والعزلة بإدراج السودان ضمن قائمة الدول الراعية للإرهاب (1993)، وفرض عقوبات أمريكية شاملة (1997). كما تراجعت الاستثمارات الأجنبية، وأخيراً تدهورت قيمة العملة الوطنية. من السمات الأساسية لهذه المرحلة هي:
تفريغ وزارة الخارجية من كفاءاتها: وفقاً لتحليلات د. العبيد أحمد العبيد، منذ 1989، جرى “تسييس” وزارة الخارجية . خضعت التعيينات والترقيات لمنطق الولاء الأيديولوجي والتنظيمي، وليس للكفاءة المهنية. فُصلت الكفاءات التاريخية، وأُدخل غير المؤهلين. تحولت الوزارة من “مركز لصياغة السياسة الخارجية إلى جهاز تنفيذي هامشي، يتلقى التعليمات من خارجها (الأجهزة الأمنية ومكاتب سيادية)”. ذكر العبيد لصحيفة ديسمبر (ديسمبر 2025) “لقد تعطّلت قنوات الاتصال، وارتبكت الرسائل الصادرة باسم الدولة، وتحوّلت الدبلوماسية السودانية إلى جهازٍ تائهٍ يتخبّط بلا بوصلة، يكرر الشعارات ولا ينتج سياسة، ويمثّل طرفاً في حرب بدلاً من تمثيل دولة”. منذ انقلاب 1989 تم فصل أكثر من 70% من الدبلوماسيين المهنيين، ففقدت الوزارة ذاكرتها المؤسسية (العبيد 2025). هناك اختلاف تاريخيا مع الكاتب حيث أرى أن الأزمة لم تبدأ عند الإسلاميين بعد الانقلاب المشؤوم بل منذ الاستقلال في عهد الأزهري مروراً بعبود ونميري. فقد كانت الوزارة تمثل سلطة وليس دولة، وتخدم أجندات ضيقة وليست مصالح وطنية تمثل كل السودان.
تفريغ مفهوم “المصلحة الوطنية”: لم تعد المصلحة الوطنية تُعرّف انطلاقاً من حاجات الشعب، بل من مصالح التنظيم الإسلامي، أو بقاء النظام، أو إملاءات الرعاة الإقليميين. تجلى ذلك في دعم النظام لحركات إسلامية في المنطقة (كحركات المعارضة في إريتريا وأوغندا وإثيوبيا وتشاد)، مما أدى إلى توترات حدودية وصراعات بالوكالة، وأدى في النهاية إلى عزلة دولية كبرى.
سياسات الإقصاء والتهميش (تسييس الإثنيات): أكدت دراسة مركز الجزيرة للدراسات أن فترة حكم “الإنقاذ” هي الفترة التي تطورت فيها عملية “تسييس الإثنيات” بشكل منهجي. تم تفضيل إثنيات بعينها (منتمية للمشروع الإسلامي أو متحالفة معه) على أخرى. هذا خلق انقسامات حادة وأدى إلى نزاعات مسلحة في دارفور وجبال النوبة وشرق السودان. لم تكن هذه النزاعات قبلية عفوية، بل كانت نتيجة سياسات ممنهجة -على سبيل المثال تسليح الميليشيات القبلية في الجنوب والغرب لمواجهة التمرد، مما أدى إلى عسكرة الهويات. بالإضافة إلى ذلك، استخدمت النخب الحاكمة التباينات الإثنية للتعبئة السياسية وكسب الأنصار، باستعمال خطاب سياسي تميز “بالمعاداة”.
تحليلاً، تُظهر هذه المرحلة أن الأيديولوجيا غلبت حسابات الكلفة والعائد، مما أدى إلى تآكل رأس المال الدبلوماسي للسودان.
المرحلة الثانية (2000–2019): البراغماتية الدفاعية وإدارة البقاء
تميزت الدبلوماسية في هذه الفترة بقدرتها على المناورة والبقاء رغم الضغوط الهائلة:
تكتيكات دفاعية ذكية في مواجهة الضغوط الدولية: منها استراتيجية ناجحة في مواجهة حملات “مسؤولية الحماية” الدولية بشأن دارفور، عبر تفكيك الروايات المعادية وتقديم تنازلات تكتيكية (مثل فتح المجال أمام المنظمات الإنسانية) لتخفيف الضغط.
التحول نحو الشرق واستغلال الموقع الجيوسياسي: بعد تدهور العلاقات مع الغرب بسبب دارفور، نجح النظام في إعادة تموضع استراتيجي نحو الخليج. كان الانضمام إلى “التحالف الإسلامي” بقيادة السعودية (ديسمبر 2015) صفقة ذكية، حيث حصل السودان في المقابل على وعود باستثمارات زراعية ودعم دبلوماسي، مما كسر بعضاً من عزلته.
إتقان لعبة “المماطلة” الدولية: كما أشار التحليل الأكاديمي، أظهر النظام براعة في التعامل مع حملات الضغط الدولي – مثل حملات “أنقذوا دارفور” – عبر مزيج من الخطاب الدفاعي: تأطير الحملات الدولية كمؤامرة استعمارية جديدة، وتقديم التنازلات التكتيكية: فتح المجال أمام المساعدات الإنسانية، مما خفف الضغط دون تقديم تنازلات جوهرية في الحكم.
إدارة العلاقات مع الجوار الإفريقي: حققت نجاحاً نسبياً في تطبيع العلاقات مع دول الجوار (خاصة جنوب السودان) رغم التوترات المستمرة، مما أمّن الموقع الإقليمي. أما من الناحية الأمنية، فقد بدأ النظام في تقديم التعاون الاستخباراتي مع الولايات المتحدة سعياً لرفع العقوبات. وأخيراً، كان طوق النجاة هو التوقيع على اتفاقية السلام الشامل 2005 كمحاولة لتحسين صورة السودان دولياً.
إذاً، هذه المرحلة لم يكن التحول فيها نتيجة مراجعة أيديولوجية بقدر ما كان استجابة اضطرارية لضغوط اقتصادية وسياسية متراكمة.
تحليلياً، يمكن توصيف التجربة السودانية في عهد الإسلاميين بأنها حالة انتقال من: “الدبلوماسية العقائدية الثورية” إلى “البراغماتية الدفاعية”. وتؤكد الحالة السودانية أن الدول متوسطة القوة لا تتحمل كلفة العزلة الأيديولوجية. وأيضاً، تسييس السياسة الخارجية يضعف استدامتها. وعليه، المصلحة الوطنية تحتاج إلى تعريف مؤسسي لا حزبي.
الخلاصة:
دبلوماسية المؤتمر الوطني في هذه الفترة يمكن وصفها بأنها “دبلوماسية إنقاذ النظام” وليس “دبلوماسية بناء الدولة”. كانت بارعة في البقاء وتفكيك الضغوط الخارجية وتحقيق مكاسب تكتيكية، لكنها كانت كارثية في معالجة الأزمات الداخلية الجوهرية. فشلت في بناء سلام حقيقي، واستمرت في سياسات الإقصاء، وعمقت الانقسامات، وأفرغت الدولة من شرعيتها، مما مهد الطريق في النهاية لثورة ديسمبر 2018 وسقوط النظام.
في الحلقة الأخيرة القادمة نقترح الدبلوماسية السودانوية البديل الحقيقي للدبلوماسية السودانية الأحادية.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات