الثلاثاء, مارس 24, 2026
الرئيسيةاخبار سياسيةالسودان بين الوفرة الزراعية والجوع(2)

السودان بين الوفرة الزراعية والجوع(2)

كتب:حسين سعد
في السودان إذا كان تاريخ السودان الحديث قد ارتبط بسلسلة من النزاعات المسلحة والأزمات السياسية، فإن جزءاً كبيراً من جذور هذه الأزمات يعود إلى الطريقة التي أُديرت بها الموارد الطبيعية، وعلى رأسها الأرض والمياه والمراعي، ففي المجتمعات الريفية السودانية، تمثل الأرض ليس فقط مصدراً للإنتاج، بل أيضاً أساساً للهوية الاجتماعية والاقتصادية. ولذلك فإن أي خلل في إدارة هذه الموارد يمكن أن يتحول بسرعة إلى مصدر للتوتر والصراع بين المجتمعات المحلية، يمتد السودان على مساحة جغرافية شاسعة تتنوع فيها المناخات والبيئات الطبيعية، من السهول الطينية الخصبة في الجزيرة وشرق البلاد، إلى السافنا الغنية في كردفان ودارفور، وصولاً إلى المناطق النيلية التي تشكل شريان الحياة الزراعية في البلاد. هذه الجغرافيا الفريدة جعلت السودان منذ عقود طويلة يوصف بأنه واحد من أكثر بلدان العالم امتلاكاً للإمكانات الزراعية غير المستغلة.
تشير التقديرات إلى أن السودان يمتلك ما يقارب ( 173) مليون فدان من الأراضي الصالحة للزراعة، وهي مساحة هائلة إذا ما قورنت بالعديد من الدول الزراعية الكبرى في العالم. كما يتمتع السودان بموارد مائية ضخمة تشمل مياه نهر النيل وروافده، إضافة إلى كميات معتبرة من الأمطار الموسمية والمياه الجوفية، وإلى جانب ذلك، يمتلك السودان ثروة حيوانية ضخمة تُعد من الأكبر في أفريقيا والشرق الأوسط، ورغم هذه الإمكانات الاستثنائية، ظل السودان يعاني عبر تاريخه الحديث من مفارقة مؤلمة: بلد غني بالأرض والمياه، لكنه يعاني من الفقر الريفي، ومن تراجع الإنتاج الزراعي، ومن أزمات غذائية متكررة في بعض مناطقه. هذه المفارقة ليست مجرد نتيجة لعوامل طبيعية أو اقتصادية عابرة، بل هي نتاج مسار طويل من السياسات التنموية غير المتوازنة، ومن اختلالات عميقة في بنية الاقتصاد السياسي للدولة السودانية.
ينطلق كتاب ( التنمية الزراعية من أجل السلام في السودان )من هذه المفارقة الكبرى، ليطرح سؤالاً محورياً: لماذا فشل السودان، رغم إمكاناته الهائلة، في تحويل الزراعة إلى محرك رئيسي للتنمية والاستقرار؟
الكتاب لصحابه المؤلف حسن سنهوري تمت طباعته ونشره بمساعدة المركز الإقليمي ضمن أهداف المركز لبناء السلام والتنمية المستدامة بحسب ما ورد في تقديم الناشر، لا يكتفي الكتاب بالإجابة التقليدية التي تعزو المشكلة إلى ضعف التمويل أو نقص التكنولوجيا الزراعية، بل يذهب أبعد من ذلك ليحلل جذور الأزمة في بنية السياسات العامة، وفي الطريقة التي صيغت بها استراتيجيات التنمية الزراعية منذ الحقبة الاستعمارية وحتى اليوم.
ففي كثير من الأحيان، تم التعامل مع الزراعة في السودان باعتبارها قطاعاً اقتصادياً يخدم أهدافاً محددة، مثل توفير العملات الأجنبية عبر صادرات القطن أو السمسم أو الصمغ العربي، دون النظر إليها بوصفها قاعدة شاملة للتنمية الوطنية. ونتيجة لذلك، تم توجيه الاستثمارات العامة بشكل غير متوازن نحو مشروعات محددة، بينما ظلت مساحات واسعة من الريف السوداني خارج دائرة الاهتمام التنموي
هذا التحيز في السياسات الزراعية كان له أثر عميق على توزيع الثروة والفرص داخل البلاد. ففي حين استفادت بعض المناطق من مشاريع الري الكبرى مثل مشروع الجزيرة ومشروعات النيل الأزرق، بقيت مناطق أخرى – خاصة في غرب السودان وشرقه – تعتمد على أنماط تقليدية من الزراعة المطرية والرعي، مع ضعف شديد في البنية التحتية والخدمات الزراعية، ومع مرور الوقت، أدى هذا التفاوت التنموي إلى تعميق الفجوات الاقتصادية والاجتماعية بين الأقاليم، وأسهم في خلق بيئات هشّة معرضة للنزاعات حول الموارد الطبيعية مثل الأرض والمياه والمراعي، ومن هنا يطرح الكتاب فكرة مركزية مفادها أن الزراعة ليست مجرد نشاط اقتصادي، بل هي قضية سياسية واجتماعية بامتياز، فطريقة توزيع الأراضي، وتوجيه الاستثمارات الزراعية، وتنظيم استخدام الموارد الطبيعية، كلها مسائل ترتبط ارتباطاً وثيقاً ببنية السلطة في الدولة وبطبيعة العقد الاجتماعي بين الحكومة والمجتمع.
إن فهم هذه العلاقة المعقدة بين الزراعة والسياسة هو المفتاح لفهم كثير من الأزمات التي شهدها السودان خلال العقود الماضية. ففي العديد من مناطق النزاع، كانت جذور الصراع مرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بقضايا الأرض والموارد الطبيعية، وبالشعور بالتهميش الاقتصادي والتنمية غير المتوازنة.
لكن الكتاب لا يقف عند حدود التشخيص، بل يطرح رؤية مختلفة للمستقبل تقوم على فكرة أن إعادة بناء القطاع الزراعي يمكن أن تكون مدخلاً أساسياً لبناء السلام والاستقرار في السودان.
فإذا ما تم الاستثمار في الزراعة بطريقة عادلة وشاملة، يمكن لهذا القطاع أن يوفر فرص عمل واسعة لملايين الشباب في الريف، وأن يعيد إحياء المجتمعات الزراعية التي تضررت من النزوح والحروب، وأن يخلق شبكة من المصالح الاقتصادية المشتركة بين مختلف مناطق البلاد.
كما يمكن للزراعة أن تلعب دوراً محورياً في تقليل الاعتماد على الواردات الغذائية، وتحسين الميزان التجاري، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي الكلي. فالسودان يمتلك كل المقومات التي تؤهله ليصبح مركزاً إقليمياً لإنتاج الغذاء، ليس فقط لتلبية احتياجاته المحلية، بل أيضاً لتزويد الأسواق الإقليمية والعالمية بمنتجات زراعية عالية الجودة، لكن تحقيق هذا الطموح يتطلب قبل كل شيء إعادة صياغة الرؤية الوطنية للتنمية الزراعية.
فبدلاً من التركيز الضيق على بعض المحاصيل التصديرية أو المشاريع الكبرى، ينبغي تبني نهج شامل يربط بين الزراعة والصناعة الغذائية، ويعزز سلاسل القيمة الزراعية، ويستثمر في البنية التحتية الريفية مثل الطرق والتخزين والري الحديث، كما يتطلب الأمر أيضاً تعزيز دور المزارعين والرعاة في صنع السياسات الزراعية، وتمكين المجتمعات المحلية من إدارة مواردها الطبيعية بطريقة مستدامة وعادلة، إن الرسالة الأساسية التي يحملها هذا الكتاب هي أن مستقبل السودان لا يمكن أن يُبنى في المدن وحدها، ولا عبر الاقتصاد الريعي المعتمد على الموارد الأولية، بل عبر نهضة زراعية شاملة تعيد الاعتبار للريف السوداني بوصفه قلب الاقتصاد الوطني ومصدر استقراره.
فالحقول الزراعية في السودان ليست مجرد مساحات للإنتاج، بل يمكن أن تتحول – إذا ما أحسن استثمارها – إلى فضاءات للسلام والتعاون والتنمية المشتركة. ومن هنا تأتي أهمية هذه الرؤية التي يقدمها الكتاب، والتي تدعو إلى جعل الزراعة محوراً لمشروع وطني جديد يعيد للسودان دوره التاريخي كأحد أهم الأقاليم الزراعية في أفريقيا والعالم العربي
الاستثمار في الزراعة
يقدم كتاب «التنمية الزراعية من أجل السلام في السودان» رؤية مختلفة لهذه الإشكالية، تقوم على فكرة أن تحسين إدارة الموارد الزراعية وتطوير الاقتصاد الريفي يمكن أن يساهما بشكل مباشر في تخفيف النزاعات وتعزيز الاستقرار الاجتماعي، فالزراعة، في جوهرها، نشاط تعاوني يعتمد على الاستقرار والأمن وتبادل المنافع بين المجتمعات المختلفة. وعندما تتوفر الظروف الملائمة للإنتاج الزراعي – من مياه وطرق وأسواق وخدمات – فإن ذلك يخلق شبكة واسعة من المصالح الاقتصادية المشتركة التي تشجع على التعاون بدلاً من الصراع، ومن هذا المنطلق، يدعو الكتاب إلى النظر إلى الاستثمار في الزراعة بوصفه جزءاً من استراتيجية أوسع لبناء السلام في السودان. فبدلاً من التركيز فقط على الحلول السياسية أو الأمنية للنزاعات، ينبغي العمل على معالجة جذور الأزمة من خلال التنمية الاقتصادية المتوازنة، وهذا يعني توجيه الاستثمارات إلى المناطق التي عانت طويلاً من التهميش التنموي، مثل دارفور وكردفان وشرق السودان، وتعزيز قدراتها الإنتاجية في مجالات الزراعة المطرية والرعي والثروة الحيوانية، كما يؤكد الكتاب على أهمية دمج الثروة الحيوانية ضمن الاستراتيجية الزراعية الشاملة، إذ يشكل قطاع الرعي أحد أهم مصادر الدخل لملايين السودانيين. إن تطوير هذا القطاع من خلال تحسين الخدمات البيطرية، وتوفير المراعي المنظمة، وإنشاء أسواق حديثة للماشية، يمكن أن يسهم بشكل كبير في تحسين سبل العيش في المناطق الريفية وتقليل التوترات بين الرعاة والمزارعين.
ومن بين الأفكار المهمة التي يطرحها الكتاب أيضاً ضرورة تطوير سلاسل القيمة الزراعية، بحيث لا يقتصر النشاط الاقتصادي على الإنتاج الأولي للمحاصيل، بل يمتد إلى مجالات التصنيع الغذائي والتخزين والنقل والتسويق.
فإنشاء مصانع صغيرة ومتوسطة لمعالجة المنتجات الزراعية في المناطق الريفية يمكن أن يوفر فرص عمل جديدة، ويزيد من القيمة المضافة للإنتاج الزراعي، ويعزز ارتباط المجتمعات المحلية بالاقتصاد الوطني.
إن الزراعة، بهذا المعنى، ليست مجرد قطاع اقتصادي، بل يمكن أن تصبح أداة لبناء السلام الاجتماعي وإعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع (يتبع)

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات