كمبالا: المركز السوداني للإعلام الديموقراطي
لم تعد الحرب في السودان، تقاس فقط بخطوط التماس العسكرية، ولا بعدد المدن التي يسيطر عليها هذا الطرف أو ذاك، فخلف الخرائط المعلنة للمعارك توجد خريطة أخرى أقل ظهوراً وأكثر تأثيراً هي: “خريطة الذهب”.
ومنذ اندلاع القتال بين الجيش السوداني، وقوات الدعم السريع في 15 أبريل (نيسان) 2023، لم يعد الذهب مجرد مورد اقتصادي، بل تحوّل إلى أحد أهم مفاتيح تمويل الحرب.
ففي بلد انهارت إيراداته التقليدية، وتراجعت قدرة الدولة على الجباية، وتفككت مؤسسات الرقابة في مساحات واسعة، أصبح “المعدن الأصفر” مورداً سريع التحول إلى نقد، وسلعة مثالية لإقتصاد حرب عابر للحدود.
ولا تكمن أهمية الذهب فقط في قيمته، بل في جغرافيته أيضا، فالحرب قسمت السودان سياسياً وعسكرياً، وقسمت معه جغرافيا الذهب، ففي مناطق سيطرة الجيش، تتركز مواقع إنتاج وتصدير رسمية وأهلية في ولايات البحر الأحمر ونهر النيل والشمالية، وأجزاء من جنوب كردفان والنيل الأبيض.
أما في مناطق نفوذ قوات الدعم السريع، فتبرز دارفور بوصفها الخزان الأهم، خاصة “جبل عامر” في شمال دارفور، ومناجم “سنقو”، ومحيطها في جنوب دارفور، مع مسارات تهريب تمتد نحو تشاد وجنوب السودان وليبيا، قبل أن تصل في نهاية المطاف إلى أسواق إقليمية ودولية.
بين هاتين الجغرافيتين، ينشط اقتصاد مواز، لا يعترف بحدود الدولة ولا بسجلات البنك المركزي، يبدأ من الحفر التقليدية والأسواق المحلية، ويمر عبر وسطاء وشركات واجهة وشبكات قبلية وحدودية، ثم يظهر لاحقاً في مراكز تجارة وتكرير خارج السودان، وقد فقد غالباً أثره الأصلي.
ووفقاً لبيانات ووثائق رسمية من مناطق سيطرة الجيش، بلغ إنتاج الذهب خلال الأعوام (2023، 2024، 2025) نحو 168.5 طنا، منها 34.5 طناً في 2023، و64 طنا في 2024، و70 طنا في 2025.
غير أن هذه الأرقام لا تشمل مناطق نفوذ قوات الدعم السريع، ولا الإنتاج غير المعلن في التعدين الأهلي، ولا الذهب الذي يخرج عبر شبكات التهريب، وهو ما قدرته منظمة “سويس أيد” بنحو 50 – 70 في المئة من الذهب السوداني يُهرّب سنوياً، وأن ما لا يقل عن 400 طن خرجت من البلاد بين عامي (2012- 2024).
(رابط الدراسة التي أعدها د.سليمان بلدو وأحمد سليمان لمركز “شاتام هاوس”: https://www.chathamhouse.org/2025/03/gold-and-war-sudan)
(رابط التقرير الذي اعدته منظمة المعونة السويدية
https://www.swissaid.ch/en/media/united-arab-emirates-more-than-ever-a-hub-for-conflict-gold
هذه الفجوة بين الرسمي والفعلي هي جوهر القصة، فالدولة أو ما تبقى من مؤسساتها في مناطق سيطرة الجيش، تعلن أرقاما، وتصدر قرارات وتحاول تنظيم القطاع، لكن السوق الحقيقي أوسع بكثير، وخصوصا في مناطق الحرب، حيث تصبح السيطرة على المنجم أو الطريق أو نقطة التجميع مساوية للسيطرة على مصدر تمويل.
البنية الرسمية والأهلية للذهب
على الورق، يحتفظ الجيش السوداني ومؤسسات السلطة القائمة في بورتسودان بالجزء الأكبر من البنية الرسمية لقطاع الذهب، فالشركة السودانية للموارد المعدنية تعمل في مناطق سيطرته، وبنك السودان المركزي يصدر السياسات والمنشورات المنظمة للشراء والتصدير، وميناء بورتسودان يمثل المنفذ الأهم للصادر الرسمي، وتقع ولايات منتجة مهمة مثل نهر النيل والشمالية والبحر الأحمر ضمن نطاق نفوذ الجيش أو حلفائه.
وفي هذه المناطق، توجد الأسواق المعروفة، وشركات الامتياز، ومواقع التعدين الأهلي والصناعي، ومصافي المعالجة، ونقاط التحصيل الرسمية، لكن هذه السيطرة لا تعني بالضرورة سيطرة كاملة على الذهب، فالتهريب من مناطق الجيش بات أكثر نشاطاً بعد الحرب، خصوصاً عبر الحدود الشمالية باتجاه مصر، وعبر شبكات تعمل في نهر النيل والشمالية والبحر الأحمر.
بينما لا تملك قوات الدعم السريع البنية ذاتها، لكنها تملك نفوذاً واسعاً في مناطق غنية بالذهب، خاصة في دارفور وكردفان حيث “التعدين الأهلي” التقليدي.
ومنذ سيطرة الدعم السريع على منجم جبل عامر في 2017، صار الذهب أحد الموارد الحيوية لشبكاتها الاقتصادية والعسكرية، وفق ما أوردته وزارة الخزانة الأمريكية عند فرض عقوبات على شركة الجنيد للأنشطة المتعددة، المرتبطة بعائلة قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي”.
وبهذا المعنى، لا تتوزع السيطرة على الذهب بالطريقة نفسها التي تتوزع بها المؤسسات، فالجيش يملك القنوات، والشركات المرتبطة بالمؤسسة العسكرية، وأجزاء كبيرة من الأسواق والمنافذ، أما الدعم السريع فيعتمد على السيطرة الميدانية، ومناطق التعدين الأهلي، وشركات الواجهة، وشبكات التهريب العابرة للحدود.
والخلاصة أن كلا الطرفين يجد في الذهب ما يحتاجه، فالجيش يحصل على مورد نقدي رسمي وشبه رسمي، لتغطية عجز الدولة وتمويل الحرب، والدعم السريع يحصل على سلعة عالية القيمة، يسهل نقلها وبيعها خارج النظام المصرفي.
الذهب يتسرب إلى الأسواق
في مناطق سيطرة الجيش، يبدو قطاع الذهب أكثر تنظيماً ظاهرياً، فهناك قوانين ولوائح، وقرارات وزارية، ومؤسسات تحصيل ورقابة، وأسواق مرخصة، وشركات امتياز.
وتشير البيانات إلى وجود نحو 42 ألف موقع مرخص للتعدين في السودان، و70 سوقا متخصصة، وينتشر التعدين الأهلي في 266 موقعا، داخل 12 ولاية، كما تعمل في القطاع عشرات الشركات المحلية والأجنبية، وملايين المعدنين الأهليين.
لكن هذه البنية الرسمية تخفي وراءها خللاً عميقاً، فالتعدين الأهلي، لا التعدين الصناعي الكبير، هو القلب الحقيقي للقطاع، وبحسب تقديرات أوردتها دراسة مركز (شاتام هاوس) البريطاني، أنتج التعدين الأهلي والصغير 53.71 طناً من إجمالي الإنتاج الرسمي المعلن في 2024، أي ما يعادل نحو 83 في المئة، بينما بلغ إنتاج معالجة مخلفات التعدين “الكرتة” 4.95 أطنان، ولم يتجاوز إنتاج التعدين الصناعي الكبير 5.70 أطنان.
(رابط الدراسة التي أعدها د.سليمان بلدو وأحمد سليمان لمركز “شاتام هاوس”: https://www.chathamhouse.org/2025/03/gold-and-war-sudan)
ما يعني أن الدولة، حتى في مناطق سيطرة الجيش، لا تتعامل مع قطاع مركزي يمكن ضبطه بقرار إداري واحد، بل مع آلاف المنتجين الصغار، والأسواق المحلية، والوسطاء، والصاغة، وشبكات النقل، والمشترين الذين يتحركون بين الرسمي وغير الرسمي.
حاول بنك السودان المركزي في فترات مختلفة احتكار تجارة الذهب، وتحديد أسعار رسمية، ومنع الوسطاء، غير أن الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الموازي المرتبط بالدولار دفعت المنتجين إلى البيع خارج النظام.
ونقلت “رويترز” في يناير (كانون الثاني) 2020، أن التهريب كان يلتهم، بحسب مسؤولين سودانيين، ما بين 70 و80 في المئة من الإنتاج.
ومع الحرب، ازداد اعتماد السلطات في مناطق الجيش على الذهب بوصفه أحد المصادر القليلة المتاحة للنقد الأجنبي، ففي سبتمبر (أيلول) 2025، أصدر بنك السودان المركزي منشوراً قضى بقصر شراء الذهب الحر وذهب شركات مخلفات التعدين على البنك أو من يفوضه، واحتكر تصديره على نفسه.
لكن فعالية هذا النوع من القرارات تظل محدودة، ما لم يستطع السعر الرسمي منافسة السوق، وما لم تتمكن الدولة من ضبط الحدود والأسواق.
وفي الشمال ونهر النيل والبحر الأحمر، حيث توجد مناطق تعدين نشطة، يتخذ التهريب شكلا موازيا للإنتاج الرسمي، فالقرب من الحدود المصرية، وسهولة الحركة عبر مسارات صحراوية، وارتفاع الأسعار في السوق المصري، كلها عوامل جعلت جزءاً من ذهب مناطق سيطرة الجيش، يخرج بعيدا عن القنوات الرسمية.
تشير تقارير ميدانية وبحثية إلى أن جزءاً من هذا الذهب يتجه إلى مصر عبر مسارات غير رسمية، مستفيداً من فروقات الأسعار وسهولة الحركة عبر الحدود، وهي روايات لم يتسنّ التحقق المستقل من جميع تفاصيلها، كما لم تصدر السلطات المصرية توضيحات تفصيلية علنية بشأن هذه التقديرات حتى وقت إعداد هذا التحقيق.
يقول سائق تهريب عرّف نفسه باسم “الرشيدي”، إنه بدأ بعد الحرب بنقل الفارين من السودان إلى مصر، قبل أن يلاحظ أن بعض الركاب يتكررون شهريا، ويحملون ذهباً خاماً يتراوح بين 4.5 و5 كيلوجرامات في الرحلة الواحدة، وبحسب إفادته، فإن هؤلاء كانوا يتحركون من شرق السودان إلى “إدفو” في محافظة أسوان، مستفيدين من تسهيلات على الحدود.
لا تكشف هذه الشهادة فقط مساراً للتهريب، بل توضح كيف تحولت الحرب نفسها إلى فرصة لدمج تهريب البشر بتهريب الذهب، وكيف أصبحت الحدود الشمالية جزءاً من اقتصاد حرب متعدد الطبقات.

جبل عامر منجم غير ميزان القوة
إذا كانت مناطق الجيش تمثل البنية شبه الرسمية للذهب، فإن جبل عامر يمثل الرمز الأوضح لاقتصاد الذهب في مناطق الدعم السريع، ويقع في شمال دارفور، وقد اكتسب منذ سنوات سمعة واسعة بوصفه أحد أهم مناطق التعدين الأهلي في السودان.
قوات الدعم السريع سيطرت على “جبل عامر” في 2017، وبذلك لم يعد الذهب هناك مجرد نشاط اقتصادي محلي، بل صار موردا استراتيجيا مرتبطا بصعود القوة العسكرية والاقتصادية للدعم السريع.
وقالت وزارة الخزانة الأمريكية، عند فرض عقوبات على (شركة الجنيد) في يونيو (حزيران) 2023، إن استخراج الذهب وتصديره أصبح منذ سيطرة قوات الدعم السريع على جبل عامر، أحد أهم الموارد المالية لعائلة “دقلو” وقوات الدعم السريع، وذكرت أن شركة الجنيد، الخاضعة لسيطرة حميدتي وشقيقه عبد الرحيم، تدير 11 شركة تابعة في قطاعات متعددة، بينها الذهب.
ولا تقتصر أهمية جبل عامر على حجم الإنتاج فقط، بل بموقعه داخل دارفور وشبكاتها، فالذهب المستخرج من المنطقة لا يبقى فيها، بل يدخل بسرعة في مسارات تجارية يتردد أنها تمتد غربا نحو تشاد، أو شمالا عبر طرق صحراوية، وفي ظل ضعف الدولة، لا توجد آلية موثوقة، لتتبع منشأ الذهب أو حجم الإنتاج الفعلي أو وجهته النهائية، وهذه معلومات لم تنفها أو تؤكدها دول الجوار برغم ذيوعها.
لذلك يصبح المنجم أكثر من موقع إنتاج، إنه نقطة سيطرة، ومصدر جباية، ومركز نفوذ، وضمانة تمويل، ومن يسيطر عليه يستطيع تمويل المقاتلين، وشراء الوقود، وتأمين الإمدادات، وتوسيع شبكات الولاء.
وأدى ارتباط جبل عامر بالدعم السريع إلى جعله جزءاً من النقاش الدولي حول اقتصاد الحرب في السودان، فالعقوبات الأمريكية لم تستهدف الجبل نفسه، لكنها استهدفت الشركات والشبكات التي يعتقد أنها تستفيد من عائداته، ما يعكس تحولاً مهماً في فهم الحرب، فوقف إطلاق النار وحده لا يكفي إذا ظلت مصادر التمويل تعمل.
رابط قرار العقوبات الأوروبية المتعلقة بالنزاع السوداني

تعدين أهلي في منطقة سنقو بجنوب دارفور
مسارات خلفية للذهب
قلَّ انتاج الذهب في جبل عامر، وبرزت منطقة “سنقو” في جنوب دارفور كجزء مهم من خريطة الذهب، الواقعة ضمن مجال نفوذ الدعم السريع، وشبكات التهريب المرتبطة بدارفور.
تشير شهادات ميدانية وتقارير إعلامية إلى أن الذهب المهرب من مناجم جبل عامر ومناجم أغبش، وأكثر من عشرة مناجم أخرى في منطقة سنقو بولاية جنوب دارفور، يُنقل عبر وسطاء إلى الحدود التشادية، حيث يتولون نقله إلى مدن “أدري، أبشي، وانجمينا”، وهناك، كما تشير هذه الروايات التي لم تؤكدها أو تنفيها تشاد، يمكن استخراج أوراق جديدة له باعتباره ذهب دولة أخرى، قبل تصديره عبر مطار انجمينا إلى أسواق دبي، وهي معلومات يصعب التحقق المستقل من جميع تفاصيلها.
تكشف هذه السلسلة طبيعة المسار الذي يعتمده ذهب دارفور، من إنتاج محلي في مناطق يصعب الوصول إليها، إلى مناطق تجميع عبر وسطاء، وعبور حدودي، وإعادة توثيق، ثم تصدير إلى مركز تجاري عالمي.
و”سنقو” بهذا المعنى، ليست مجرد منطقة تعدين، بل عقدة في شبكة تهريب، فهي تقع في جغرافيا تسمح بالتحرك غربا نحو تشاد، وجنوباً نحو أفريقيا الوسطى وجنوب السودان، وداخلياً نحو نيالا، التي تمثل مركزاً اقتصادياً كبيراً في دارفور، ومع انهيار الرقابة الرسمية، تتحول هذه المناطق إلى جزء من اقتصاد إقليمي يتجاوز السودان.
ما يميز ذهب “سنقو” ومحيطها أنه لا يمر بالضرورة عبر مؤسسات أو شركات كبيرة معروفة، بل عبر شبكات مرنة من الوسطاء والتجار والحماية المسلحة، وهذا يجعله أصعب في التتبع من الذهب الصادر بشكل رسمي من بورتسودان أو الذهب المنتج في مناطق شركات الامتياز. لكن الأثر واحد، إذ يتحول الذهب إلى نقد، ويتحول النقد إلى قدرة على استمرار الحرب.

خريطة توضح مسارات تهريب الذهب السوداني من مختلف مناطق الإنتاج إلى وجهات خارج البلاد
السيطرة العسكرية والتهريب
في دارفور، لا يمكن فصل الذهب عن السلطة، فمنذ سنوات، ارتبطت السيطرة على الموارد المحلية لدى فاعلين مسلحين غير حكوميين، وبشبكات تهريب عابرة للحدود، ومع الحرب الحالية، اتسعت هذه العلاقة.
فالدعم السريع تقريبا يسيطر على كامل دارفور، وغرب كردفان وأجزاء واسعة من جنوب وشمال كردفان، ومناطق في النيل الأزرق، بما في ذلك مساحات ذات أهمية في التعدين الأهلي.
لكن السيطرة لا تعني إدارة مؤسسية، بل تعني غالبا القدرة على فرض رسوم، أو توفير حماية، أو توجيه التجارة عبر قنوات محددة، أو السماح لوسطاء بالعمل مقابل ولاء أو مقابل مالي.
الدراسة الصادرة عن “شاتام هاوس” تذهب إلى أن قوات الدعم السريع تدخلت في قطاع الذهب بثلاث صور، كقوة حماية لأنشطتها الخاصة عبر شركة الجنيد، وكجهة تفرض الحماية لتوجيه تجارة المعدنين عبر قنواتها، وفي بعض الحالات كمشارك مباشر في التعدين الأهلي حيث تسمح الظروف.
ولا يقتصر الصراع على الذهب على الجيش وقوات الدعم السريع، بل يشمل أيضاً حركات مسلحة ومجموعات شبه عسكرية موالية للجيش أو تعمل في مناطق نفوذه، خاصة في دارفور وجنوب كردفان. وتشير دراسات، من بينها تحليل “شاتم هاوس” إلى أن فاعلين مسلحين غير حكوميين، بما في ذلك حركات دارفورية موقعة على اتفاق جوبا للسلام، إلى جانب مجموعات محلية، يشاركون بدرجات متفاوتة في أنشطة مرتبطة بقطاع الذهب، سواء عبر السيطرة على مناطق إنتاج، أو توفير الحماية، أو فرض رسوم على المعدنين والتجار، وفي بعض الحالات، أدت هذه التداخلات إلى احتكاكات محلية حول المناجم، حيث أصبحت السيطرة على مواقع الذهب هدفاً عسكرياً بحد ذاته.
أما في جبل مرة، حيث تسيطر حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد نور، يوجد نشاط محدود للتعدين الأهلي، يعتمد على حفر بدائية وإنتاج صغير داخل مجتمعات ريفية معزولة، ولا توجد مؤشرات واضحة على وجود تعدين صناعي أو شركات كبيرة مرتبطة مباشرة بالحركة، لكن الذهب الخارج من هذه المناطق يدخل عبر وسطاء في أسواق دارفور الأوسع.
وفي نيالا، عاصمة جنوب دارفور، يتحول الذهب من إنتاج محلي متناثر إلى سلعة قابلة لإعادة التوزيع، فهناك يعمل تجار ووسطاء كبار على تجميع الشحنات ورفع حجمها، قبل إدخالها في مسارات نقل أوسع نحو تشاد أو جنوب السودان أو كردفان.
هذه الشبكات لا تعمل بمعزل عن الحرب، بل بداخلها، فهي تستفيد من غياب الدولة، ومن حاجة الأطراف المسلحة إلى التمويل، ومن قدرة الذهب على عبور الحدود بسهولة.
مناطق تنقيب مشتركة
في جنوب كردفان، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من ثنائية الجيش والدعم السريع. فهناك مناطق تخضع للجيش، وأخرى لنفوذ الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، وأخرى تتأثر بمجموعات محلية ومصالح أهلية، لكن الذهب يظل حاضرا كعامل صراع.
يقول “أبوهم” وهو معدن تقليدي، إنّ مناطق “تلودي، كلوقي، الليري” تمثل ثقلاً إنتاجياً مهماً، وإنّ المسافة بين هذه المدن لا تتجاوز دائرة قطرها نحو 160 كيلومتراً عبر طرق ترابية وعرة، ويصف المنطقة بأنها حزام إنتاج واحد، يتحرك داخله الذهب بسرعة قبل أن يغادر الإقليم.
بحسب رواية “أبوهم”، لا تعمل هذه المناطق وفق نموذج الشركات الكبرى، بل من خلال آبار تقليدية وحفر واسعة، وعند اكتشاف أي موقع جديد، تظهر جهات عسكرية وأمنية ومحلية للحصول على حصص أو مربعات أو رسوم. ثم يدخل الذهب في سلسلة تسويق محلية تبدأ من المعدنين الصغار وتنتهي بتجار أكبر أو مهربين.
في هذا النموذج، لا يكون الجيش وحلفائه المسلحين مجرد طرف عسكري، بل يظهر بحسب الشهود، عبر بعض ضباطه أو الأجهزة المرتبطة به كفاعل اقتصادي محلي، وتظهر أيضاً الإدارة الأهلية، والضرائب، والزكاة، والرسوم المحلية، وشبكات الصاغة، وكلها تقتطع جزءاً من قيمة الذهب قبل مغادرته المنطقة.
ونموذج جنوب كردفان يكشف أيضاً أن مناطق سيطرة الجيش، لا تعني بالضرورة وجود دولة مؤسسية عادلة، فالذهب قد يكون داخل منطقة ترفع راية السلطة الرسمية، لكنه عملياً يخضع لتوازنات محلية وأمنية وتجارية معقدة.

مطار نيالا الذي شهد توسعاً هو أحد منافذ التهريب المحتملة- مصدر الصورة الجوية مدرسة ييل للصحة العامة- مختبر الأبحاث الإنسانية
السؤال الصعب
في نهاية كثير من المسارات، تظهر الإمارات، وخصوصا دبي، بوصفها السوق الأبرز للذهب السوداني، سواء خرج عبر القنوات الرسمية أو عبر مسارات إعادة التصدير.
تشير دراسة شاتام هاوس إلى أن البنك المركزي السوداني، أفاد بأن نحو 97 في المئة من صادرات الذهب الرسمية من مناطق سيطرة الجيش في 2024 ذهبت إلى الإمارات، محققة 1.52 مليار دولار، أي ما يعادل 48.5 في المئة من مجمل صادرات السودان في ذلك العام.
وتعني هذه الأرقام أن سلطات بورتسودان، رغم اتهامها الإمارات بدعم قوات الدعم السريع، ظلت تعتمد على السوق الإماراتية لتصريف الذهب الرسمي والحصول على النقد الأجنبي. وقد عرض السودان اتهاماته ضد الإمارات أمام محكمة العدل الدولية في أبريل (نيسان) 2025، بينما تنفي أبو ظبي دعمها لقوات الدعم السريع.
في إفادة إعلامية على “بود كاست” قال المسؤول الإماراتي علي راشد النعيمي إن الذهب القادم من السودان إلى الإمارات “يأتي من الجيش”، وإن الإمارات لا “تسيس” الاقتصاد، ونفى أن تكون بلاده مسؤولة عن سرقة الذهب السوداني، وأضاف: “هناك دولاً مستفيدة من استمرار الحرب، لأنها تنهب خيرات وثروات السودان”.
لكنّ السؤال الأهم لا يتعلق فقط، بمن يبيع ومن يشتري، بل بقدرة مراكز الذهب العالمية على التحقُّق من المنشأ الحقيقي، فعندما يخرج الذهب من جبل عامر أو سنقو عبر تشاد، أو من نهر النيل والشمالية عبر مصر، ثم يصل إلى دبي بوثائق مختلفة، يصبح تتبعه أكثر صعوبة.
وهنا تكمن الثغرة الدولية، فالذهب السوداني يمكن أن يتغير اسمه القانوني في الطريق، لكنه لا يغير وظيفته الاقتصادية، فهو يظل مورداً يمكّن أطراف الحرب وشبكاتها من الحصول على النقد.
إعادة الترميز
إذا كانت الإمارات هي السوق النهائية الأبرز، فإن الخبراء يشيرون إلى أن مصر وتشاد تمثلان محطتين مركزيتين في إعادة توجيه الذهب السوداني، ففي الشمال، تشير تقديرات ميدانية وبحثية إلى أن جزءاً كبيراً من ذهب ولايات الشمالية ونهر النيل والبحر الأحمر، وهي مناطق تقع غالبا ضمن نطاق سيطرة الجيش، يخرج إلى مصر عبر مسارات غير رسمية، وهناك يمكن بيعه أو إعادة تصديره أو استخدام عائداته لشراء سلع ومدخلات تعدين تعود إلى السودان.
ووفقا لدراسة “شاتام هاوس”، فإن العائدات المتأتية من بيع الذهب في مصر تستخدم لشراء سلع غذائية وزيوت طبخ ووقود و”زئبق وسيانيد”، ثم تُعاد إلى السودان.
وبهذا لا يموّل الذهب الحرب فقط عبر شراء السلاح، بل عبر تمويل الاقتصاد اليومي للحرب مثل “النقل، والوقود، والمواد الكيميائية، والسلع التي تُبقي شبكات السيطرة قائمة.
أما في الغرب، فتؤدي تشاد دوراً مشابهاً بالنسبة لذهب دارفور، فذهب جبل عامر وسنقو، والمناطق الأخرى، يمكن أن يعبر إلى أدري وأبشي وانجمينا، ثم يحصل على وثائق جديدة قبل أن يتجه إلى دبي، وهذه العملية، التي يمكن وصفها بإعادة “ترميز المنشأ”، تجعل الذهب السوداني يظهر في سجلات التجارة الدولية كذهب من دولة أخرى.
وهذه واحدة من أخطر مشكلات سلاسل التوريد، إذ لا يكفي النظر إلى بلد التصدير الأخير لمعرفة المصدر الحقيقي للذهب.
اقتصاد الحرب والعقوبات
خلال الحرب، اتجهت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى استهداف الشركات والشبكات الاقتصادية المرتبطة بطرفي النزاع، وفرضت واشنطن عقوبات على شركة الجنيد المرتبطة بالدعم السريع، ثم شملت لاحقاً شركات مرتبطة بالجيش، بينها شركة “زادنا”، كما استهدف الاتحاد الأوروبي شركات مرتبطة بالشبكة الروسية فاغنر وكانت تملك شركة “مروي غولد”، قبل أن تتحول إلى “إم أنفست” بعد أن تحول اسمها إلى “الفيلق الإفريقي”.
هذه العقوبات تعني أن المجتمع الدولي بدأ يدرك، أن الحرب لا تُغذّى فقط بالسلاح القادم من الخارج، بل أيضاً بالموارد المحلية التي تتحول إلى نقد خارجي.
لكن العقوبات وحدها لا تكفي إذا ظلت الأسواق النهائية مفتوحة، وإذا استمرت القدرة على إعادة توثيق الذهب في دول العبور، وإذا لم تفرض مراكز التجارة والتكرير معايير صارمة للتحقق من المنشأ.
فذهب جبل عامر أو سنقو أو نهر النيل، لا يدخل السوق العالمية حاملاً دائما اسمه الأصلي، أحياناً يصل عبر وثائق قد تكون تشادية أو مصرية أو عبر شركات وسيطة، وهنا يصبح العبء على مراكز التجارة الكبرى، وعلى البنوك، وعلى شركات التكرير، للتحقق من أن الذهب لا يموّل حرباً أو انتهاكات.
الوجه البيئي لذهب الحرب
إلى جانب دوره المالي، يترك الذهب أثراً بيئياً خطيراً، فاقتصاد “الكرتة”، أي معالجة مخلفات التعدين الأهلي، لإستخلاص كميات إضافية من الذهب، تعتمد على مواد كيميائية مثل السيانيد والزئبق، وغالباً ما تُدار هذه العمليات خارج الرقابة الرسمية، عبر شركات صغيرة أو شبكات وساطة.
ففي مناطق سيطرة الجيش، خاصة في نهر النيل وعطبرة وما حولها، تشير روايات محلية إلى وجود مواقع مغلقة أو ذات طابع أمني محتمل، لمعالجة مخلفات التعدين أو معايرة المنتج، من بينها ما يعرف بـ”حوش الدروة”، ورغم غياب تأكيد رسمي مستقل، فإن مجرد تداول هذه الروايات يعكس مستوى انعدام الشفافية في جزء من القطاع.
وفي مناطق جنوب كردفان، يتحدث ناشطون عن احتكار بعض الجهات لمخلفات التعدين، واستخدام السيانيد في مناطق مثل تلودي، وملاحقة نشطاء بيئيين اعترضوا على ذلك.
أما في مناطق دارفور، حيث ينتشر التعدين الأهلي في بيئات هشة ومجتمعات متضررة من الحرب والنزوح، فإن الرقابة البيئية شبه غائبة، وهكذا يدفع السكان ثمناً مضاعفاً، مرة من الحرب، ومرة من التلوّث.
مسارات مختلفة ووظيفة واحدة
يمكن القول إنّ ذهب مناطق الجيش وذهب مناطق الدعم السريع يختلفان في المسار، لكنهما يتشابهان في الوظيفة، فذهب مناطق الجيش يتحرك بين الرسمي وغير الرسمي، ويدخل جزء منه سجلات الشركة السودانية للموارد المعدنية وبنك السودان، ويصدّر رسمياً، خصوصاً إلى الإمارات، وجزء آخر يتسرب عبر مصر أو عبر شبكات محلية، تستفيد من فرق السعر وضعف الرقابة.
أما ذهب مناطق الدعم السريع، خاصة جبل عامر وسنقو ومناطق دارفور، فيتحرك غالباً خارج السجلات الرسمية، عبر وسطاء وحدود تشاد وجنوب السودان، قبل أن يصل إلى الأسواق الخارجية، وهو أقل ظهوراً في الأرقام الرسمية، لكنه حاضر بقوة في اقتصاد الحرب.
وفي الحالتين، يتحول الذهب إلى سيولة، وتتحول السيولة إلى قدرة على دفع الرواتب، وشراء المركبات، وتوفير الوقود، وتأمين السلاح، وبناء شبكات الولاء.
لهذا، لا يمكن فهم استمرار الحرب من دون فهم هذا الانقسام الجغرافي في الذهب، فكل طرف لا يقاتل فقط من أجل العاصمة أو الموانئ، أو الشرعية السياسية، بل من أجل الحفاظ على قناة تمويل ذاتية.
من يملك منجماً يملك وقتاً أطول للقتال
في السودان اليوم، لا توجد خريطة واحدة للحرب، هناك خريطة المدن والمعارك، وخريطة الطرق والمطارات، وخريطة التحالفات، لكن هناك أيضا “خريطة الذهب”.
في الشمال والشرق ونهر النيل، يحتفظ الجيش بالبنية الرسمية للقطاع، وبمنافذ التصدير والأسواق التقليدية، لكنه يعاني من تهريب واسع وتسرب مستمر نحو مصر والأسواق الموازية.
وفي دارفور، تمسك قوات الدعم السريع وشبكاتها، بمناطق ذات قيمة استراتيجية، على رأسها جبل عامر ومناجم سنقو ومحيطها، حيث يتحول التعدين الأهلي إلى مورد حرب عابر للحدود.
وبين الطرفين، يعمل الوسطاء والتجار والشركات والمهربون، لا يعنيهم من يرفع الراية فوق المدينة، بقدر ما يعنيهم من يضمن الطريق ومن يشتري، ومن يدفع بالدولار.
لهذا لم يعد الذهب في السودان مجرد ثروة وطنية ضائعة، بل صار نظاماً موازياً للسلطة، ومن يملك المنجم، أو الطريق، أو السوق، يملك وقتاً أطول للحرب والقتال.
وما لم تُكسر السلسلة التي تربط جبل عامر وسنقو ومناجم الشمال والشرق بأسواق مصر وتشاد والإمارات، سيظل المعدن الأصفر قادراً على تمويل القتال، فيما يظل السودانيون يدفعون ثمن ثروة تخرج من أرضهم ولا تعود إليهم إلا في شكل حرب.


صورة من إحدى الخطابات التي أرسلها المركز ولم يتلق رداً عليها حتى ساعة إعداد التحقيق
لاذوا بالصمت
لغرض التحقيق، خاطب “المركز السوداني للإعلام الديمقراطي” عدداً من الجهات المحورية في سلسلة الذهب: “بنك السودان المركزي، وزارة المالية، الشركة السودانية للموارد المعدنية، بورصة دبي للذهب”، ووجّه إليها أسئلة تفصيلية بشأن سياسات شراء وتصدير الذهب، وآليات التحقق من المنشأ، وحجم الصادرات الفعلية، ومسارات الذهب الخارج من مناطق النزاع، إضافة إلى الإجراءات المتخذة لمنع استخدام عائداته في تمويل الحرب.
لكن أيّاً من هذه الجهات لم ترد على الأسئلة حتى وقت إعداد هذا التحقيق، ما يجعل من غياب الردود ليس فراغاً معلوماتياً فقط، بل تساؤلات أوسع حول مستوى المساءلة.
فهذه الجهات، كل ضمن موقعه، تقع في قلب سلسلة إنتاج وتجارة الذهب، سواء عبر التنظيم، أو الشراء أو التصدير أو الإستقبال أو التداول، ومع استمرار التدفق إلى الأسواق الإقليمية والدولية، فإنّ سؤال ما إذا كان التداول يسهم – بشكل مباشر عبر الشراء والتداول – أو غير مباشر عبر ضعف الرقابة أو التجاهل – في استمرار تدفقات مالية تغذي الحرب، قائماً.
صمت هذه الجهات، يؤكد أن الحدود بين “التجارة المشروعة و”التمويل غير المباشر للنزاع” أكثر ضبابية، ولذلك يصل الذهب إلى الأسواق النهائية دون نظام تتبّع فعال، يكفي لضمان فصل الموارد الاقتصادية عن اقتصاد

