الجمعة, يناير 23, 2026
الرئيسيةاخبار سياسيةبيان إحياء الذكرى السنوية الأولى لرحيل د. الباقر العفيف مختار رمز الاستنارة

بيان إحياء الذكرى السنوية الأولى لرحيل د. الباقر العفيف مختار رمز الاستنارة


﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ (سورة الفجر: 27-30)
في ذاكرة الشعوب التي لا تموت، وفي ضمير وطن سوف ينهض من رماده، تحلُّ علينا الذكرى الأُولى لرحيل عَلَمٍ من أعلام الفكر والنضال والاستنارة، وقامةٍ شامخةٍ من قمم الإنسانية المُلتزمة. الدكتور: الباقر العفيف مختار لم يكن رقماً يضاف إلى سجلّ الراحلين، بل كان مشروعاً حيّاً للتغيير، ومدرسةً فكريةً متكاملة، وضميراً أخلاقياً تجسّد في إنسان.
نستذكر اليوم ليس الفقيد وحده، بل مشروعاً تحررياً، ورؤيةً استشرافيةً، ومنهجاً ثورياً سلمياً صاغته يد المفكر وخبرة المناضل وقلب الإنسان. رحل الجسد في الثالث والعشرين من يناير 2025 ، لكن الأثر باقِِ.
وُلد الدكتور : الباقر العفيف مختار في 23 أبريل 1955 بمدينة الحوش بولاية الجزيرة، حيث تشرّب قيم العدالة والكرامة والحرية من واقع الريف السوداني الأصيل. وفي جامعة الخرطوم، تشكّل وعيه الفكري المبكر من خلال انتمائه إلى تنظيم الإخوان الجمهوريين وتتلمذه على يد الأستاذ/ محمود محمد طه، واستيعابه فلسفة “الواجب المباشر” التي أصبحت نبراساً لمسيرته كلها.
تميّز مساره العلمي بالتحصيل العالمي، فحصل على بكالوريوس التربية واللغة الإنجليزية من جامعة الخرطوم عام 1984، ثم ماجستير تطوير المناهج من الجامعة ذاتها عام 1988، ليتبعها بماجستير اللغويات التطبيقية من جامعة أستون في بريطانيا عام 1991، ثم دكتوراه الفلسفة في دراسات الشرق الأوسط من جامعة مانشستر عام 1996.

كان الدكتور/ الباقر العفيف مثقفاً عضوياً التزمت معرفته بالواقع، حيث بدأ معلمًا في مدرسة ابتدائية بالحوش بين عامي 1973 و1980، ثم محاضراً في جامعة الجزيرة بين 1988 و1990. انتقل إلى الأستاذية العالمية محاضراً في دراسات الشرق الأوسط بجامعة مانشستر متروبوليتان بين 1996 و2001، حيث درّس اللغة العربية، وتاريخ الإسلام، والتصوف، والفلسفة الإسلامية، وحقوق الإنسان في الإسلام.
اتسع نطاق عمله ليشمل العمل الحقوقي الدولي، فشغل منصب منسق الحملة الإقليمية للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية بلندن بين 2001 و2005، ثم كان زميلاً باحثاً أول في معهد السلام الأمريكي بواشنطن بين 2005 و2006، حيث طوّر نظريته التحليلية حول أزمة الهوية والصراع في السودان.
في عام 2007، أسّس الدكتور الباقر العفيف مركز الخاتم عدلان للاستنارة والتنمية البشرية (KACE)، محوّلاً إياه إلى واحدة من أنشط منظمات المجتمع المدني السودانية وإلى منارة فكرية تُصدر الكتب وتنظم الندوات وتبني القدرات وتقود الحملات، وإلى فضاء حر للحوار والعروض السينمائية وتدريب الشباب، وشريكاً دولياً لمؤسسات مثل اليونسكو وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي.
في عام 2012، أغلقت السلطات المركز وصادرت أصوله، لكن الدكتور الباقر واصل عمله من منفاه، مؤكداً أن “الأفكار لا تُحجّرها الجدران”، وفي عام 2013، أسّس صحيفة “التغيير” الإلكترونية لتكون منبراً للإعلام الحر وجسراً بين الداخل والخارج.
لا يمكن فصل اسم د. الباقر العفيف عن ثورة ديسمبر 2018 المجيدة، فقد كان له قصب السبق في طرح فكرة “لجان المقاومة” والدور التأسيسي في صياغة هياكلها التنظيمية والتدريب الاستراتيجي للناشطين عبر وسائل التواصل، محولاً الرؤية التنظيرية إلى آليات عملية شعبية. أدرك بحكمة المفكر ودهشة الثوري أن التغيير الجذري يجب أن ينبثق من تنظيم إرادة القواعد الشعبية.
تروي ابنته “أمل السودان”، كان الدكتور الباقر أباً حكيماً يملأ البيت هدوءاً وحكمة، ورفيقاً يحوّل اللحظات العادية إلى فرص للتأمل والنقاش، ومناضلاً صبوراً يجمع بين “القوة الفولاذية” في المواقف الصعبة و”الصبر الجميل” خلال صراعه الطويل مع المرض. عاش سنواته الأخيرة مؤمناً برحمة الله، محتسباً، مواصلاً واجبه نحو وطنه دون شكوى أو تذمّر.
رحل الدكتور الباقر العفيف تاركاً إرثاً متعدد الأبعاد: إرثاً فكرياً وعلمياً في كتبه المرجعية وأبحاثه الأكاديمية ومحاضراته التي جمعت بين الرصانة العلمية والعمق الروحي، وإرثاً نضالياً وتنظيمياً في ثباته على مبادئ التغيير السلمي ودوره التاريخي في صناعة أدوات الثورة ونموذج “لجان المقاومة” الذي أصبح مرجعية عالمية في التنظيم الشعبي، وإرثاً مؤسسياً يتمثل في مركز الخاتم عدلان الذي يبقى رمزاً للاستنارة وصحيفة “التغيير” منبراً للإعلام الحر المستقل، مع مقترح أصدقاء الراحل في دمج الاسمين في “مركز الخاتم والباقر” تكريماً لصداقة نادرة ورؤية مشتركة، وإرثاً إنسانياً وقيادياً في جيلٍ كاملٍ من الشباب والقيادات الذين صقلهم وأرشدهم، وفي نموذجه القيادي الذي تميّز بالقيادة الاستشرافية والتخطيط الاستراتيجي المبدع.
د. الباقر العفيف لم يمت، بل هو حيّ في كل شابٍ يطمح للتغيير، وكل مثقفٍ يرفع صوته بالحق، وكل ناشطٍ يؤمن بأن السلم طريق والوعي سلاح، وكل إنسانٍ يرى في المعرفة أداة للتحرير.
في هذه الذكرى الأليمة الأولى، نَعْهَدُ إليك – المستنير والمناضل – بأن نحفظ تراثك الفكري ونشره بين الأجيال، ونواصل مشروع الاستنارة عبر مؤسسات راسخة، ونسير على الدرب الذي أضأت نحو سودان الحرية والسلام والعدالة والاستنارة، ونحمل شعلتك التي أنارت درب الثورة والتغيير. لقد بلغتَ الرسالة، وأدّيتَ الأمانة، وزرعتَ البذور، فلترقدْ بسلامٍ يا رمزَ الاستنارة، يا من جعلتَ من الفكر سلاحاً، ومن السلم طريقاً، ومن الإيمان بالوطن عقيدة. رَحِمَكَ اللهُ يا دكتور/ الباقر العفيف رحمةً واسعةً، وأسكنكَ فسيحَ جنّاتِهِ.
وَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
أسرة مركز الخاتم عدلان للاستنارة
23 يناير 2026 م

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات