في أدب الجنائز الرسمية، والتي بالطبع لا تخص الدول ذات الوجود الإسلامي الغالب، حين يرحل زعيم مهم أو شخصية شهيرة، يقال إن المشيعين حضروا لإلقاء النظرة الأخيرة على الجسد المسجّى بعد أن قام الحانوتي بتجهيزه لحفل الإنتقال. بدا لي ذلك الأقرب للوصف وأنا أشاهد لقاء البرهان مع الإعلاميين الذين تمت دعوتهم للقاء،أقول ذلك دون أي محاولة لتمرير سخرية ما بمشهدهم هناك في القاعة، وتظبيطهم للبدل والكرافتات، متحرّين بدأب أنيق حمل صورتهم في( لفه) من المرايا ومباشرة للكرسي المعد في القاعة أمام البرهان، لكن ذلك لن يخفي على بعضهم، ولو بمجرد مرور طيف متشائم حلّ للحظة على رأس واحد أو اتنين منهم ، أن ذلك اللقاء في الواقع لم يكن لقاءً وإنما مراسم وداع أخير.
ودون الخوض في تفاصيل سياسية مرتبطة بمشاغل الآني وما فعلته هذه الحرب بالسودانيين، لكن من زاوية أخرى (أدّعيها والله وما بنكرها) أقول: نحن أمام نهاية مرحلة تاريخية كاملة من عمر هذه البلاد، وهي لا تعني فقط نهاية الرجل الذي كان يقف امامكم يشتم قحت ويجوب الشوارع رافعاً قبضته ويترصّد المناسبات ويسأل عن بائع العرديب مشى وين وست الشاي مالها، وإنما نهاية البنية التاريخية والسياسية الاجتماعية التي جاءت به للسلطة، كآخر وجه عسكري شمالي، وجاءت ايضاً بأسلافه من قبل: الأزهري وعبود ونميري والصادق المهدي (ولن نستثنى حمدوك، طبعاً).
هذه البنية ذات التركيبة التاريخية والاجتماعية المرتبطة بلحظة تأسيس دولة ما بعد الاستعمار ومازلنا نسمع صرير تروسها المتأكلة ، وهي للحق ليست حالة تخصنا ، وإنما تاريخ كوني كامل يخص كل الدول التي كانت مستعمرة في أفريقيا وكلها نعاني منها بشكل وآخر وتبحث عن مخارجات تنفذ بها نحو المستقبل والنجاة من الزوال.
وهي بنية (اي حقتنا دي) لم تعد صالحة لتطرح أي تسوية أو حوار، وحتى ولو من حيث المبدأ قبلنا بالحوار، كان نبيل أديب أو قاسم بدري أو ندى القلعة، وقلنا: «خير!» بكون السؤال المهم .. عشان يمشي لي وين الحوار ده، وعشان يعمل لشنو؟
أعتقد أن هذا المسلسل التاريخي الطويل والممل لحكاية السلطة والحكم والسياسة في السودان وصل الآن إلى الخط الأخير، وأن طوق النجاة لا يمكن في التشوين اليومي للمواقف السياسية من داخل نسق الاختلاف البسيط، المحكوم بتصورات وأراء ومواقف محدودة النظر ومحدودة الإمكانيات أيضاً، وإنما بتوسيع الشوف والنظر أوسع من ذلك ، والإفلات من إغراء الخطاب اليومي، وعشان نكون أكثر شجاعة يجب أنو نشيل الفاتحة على السودان الفات ونعزي بعضنا البعض (كان راجل طيب والله ) ونبدأ في الإعداد للجديد.
فما حدث بعد انطلاق أول رصاصة لهذه الحرب لم يكن «موت دنيا»، كما عنون المحجوب ومحمد عبد الحليم لكتابهما ذاك وإنما في الحقيقة كانت الرصاصة الاولى تعني…موت بنية