الوجه الآخر لانتهاكات الجيش
في الحرب السودانية، لم يعد السؤال فقط: من يسيطر على الأرض؟ بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: من يحمي الإنسان السوداني من آلة الحرب؟
الجيش مؤسسة وطنية يفترض أن تكون مهمتها حماية الشعب والدولة، لكن عندما تتحول القوة العسكرية إلى قصفٍ يطال الأسواق والأحياء والمرافق المدنية، فإن المسألة تتجاوز حدود المعركة إلى سؤال أخلاقي وقانوني لا يمكن دفنه تحت شعارات الوطنية.
الأمم المتحدة وثّقت بين يناير ومايو 2026 أكثر من ألف مدني قُتلوا في ضربات بالطائرات المسيّرة، وسجلت 16 ضربة على مرافق صحية و33 هجوماً على أسواق. والأخطر أن الهجمات طالت مناطق لم تكن تشهد قتالاً مباشراً.
وهنا الزاوية التي يتعمد كثيرون تجاهلها:
المواطن الذي يموت في السوق ليس رقماً في معادلة عسكرية. والطفل الذي يُقتل في حي سكني ليس «خسارة جانبية». والمريض الذي يفقد حياته داخل مستشفى ليس مقاتلاً في صفوف العدو.
الوطنية لا تعني أن نمنح أي مؤسسة عسكرية حصانة أخلاقية. والانحياز للجيش لا يعني أن نبرر كل ما يصدر عنه. بل إن الدفاع الحقيقي عن الجيش يبدأ بمطالبته بالانضباط والمحاسبة، لأن الجيوش التي لا تحاسب على أخطائها تتحول مع الوقت من مؤسسة تحمي الدولة إلى مؤسسة تخشى الدولةُ نفسها من قوتها.
لقد وثقت منظمات حقوقية هجمات للجيش السوداني على مناطق مدنية، بينها أسواق وأحياء سكنية، كما وثقت ضربات في دارفور وكردفان أدت إلى سقوط مدنيين.
وفي المقابل، لا يمكن استخدام انتهاكات الدعم السريع ذريعة لتبرير انتهاكات الجيش. الجريمة لا تصبح حلالاً لأن الخصم ارتكب جريمة أكبر. والدم السوداني لا يحمل بطاقة انتماء عسكري.
المشكلة الحقيقية أن الحرب صنعت طبقة من التبرير: كلما سقط مدني، سارع البعض إلى البحث عن مبرر، وكلما دُمر منزل قيل «ربما كان هناك هدف عسكري»، وكلما أصيب سوق قيل «الحرب لها أخطاؤها».
لكن من يعيد للطفل حياته؟ ومن يعيد للأم ابنها؟ ومن يعيد للمريض مستشفاه؟ ومن يحاسب من أخطأ إذا أصبح الخطأ نفسه جزءاً من خطاب الحرب؟
ليس مطلوباً من السوداني أن يكره جيشه. المطلوب أن يحب وطنه أكثر من أي بندقية.
فالجيش الذي نريده ليس جيشاً ينتصر فوق ركام المدنيين، وإنما جيشاً ينتصر وهو يحميهم. والقوة الحقيقية ليست في القدرة على إسقاط القنابل، وإنما في القدرة على ضبطها عندما يكون ثمنها حياة الأبرياء.
نحن لا نحتاج إلى جيش فوق المحاسبة، ولا إلى مليشيا فوق القانون، ولا إلى سياسيين يحولون دماء السودانيين إلى مادة للدعاية.
نحتاج إلى دولة تقول بوضوح:
لا أحد فوق القانون.
لا بندقية فوق حياة المواطن.
ولا وطنية تبرر قتل الأبرياء.
ومن يرفض محاسبة أي طرف على انتهاكاته، أياً كان اسمه أو شعاره، لا يدافع عن السودان؛ بل يدافع عن استمرار الحرب نفسها.
السودان لن يُبنى على جثث أبنائه، ولن تكون حماية الوطن مبرراً لقتل المواطن.