لم يعد الأمر مجالًا للجدل أو التأويل. فقبل ساعات أعلنت الولايات المتحدة تصنيف الحركة الإسلامية السودانية تنظيمًا إرهابيًا، في خطوة تعيد فتح واحد من أكثر ملفات السودان السياسية حساسية وتعقيدًا. لم يكن القرار وليد لحظة سياسية عابرة، ولا نتيجة خلاف دبلوماسي طارئ، بل هو خلاصة مسار طويل من التوتر بين إرث الحركة الإسلامية وطبيعة الدولة الحديثة التي يفترض أن تقوم على المؤسسات لا على التنظيمات الأيديولوجية.
فمنذ اللحظة التي تحولت فيها الحركة الإسلامية من تيار سياسي إلى مشروع للهيمنة على الدولة، دخل السودان مرحلة مختلفة من تاريخه. الانقلاب الذي أوصل الإسلاميين إلى السلطة لم يكن مجرد تغيير في الحكم، بل إعادة تشكيل كاملة لبنية الدولة، حيث تمددت الشبكة التنظيمية للحركة داخل الجيش والأجهزة الأمنية والاقتصاد والإعلام. وخلال ثلاثة عقود من الحكم تحت قيادة عمر حسن أحمد البشير أصبحت الحركة الإسلامية ليست مجرد لاعب سياسي، بل العمود الفقري للسلطة نفسها، وهو ما أدخل السودان في دائرة طويلة من العزلة الدولية والأزمات الداخلية.
لكن سقوط نظام البشير لم يكن نهاية هذه الشبكة. فالدولة التي بُنيت طوال ثلاثين عامًا على أساس الولاء التنظيمي لا يمكن تفكيكها بين ليلة وضحاها. لذلك لم تختفِ الحركة الإسلامية من المشهد، بل تراجعت خطوة إلى الخلف، وأعادت ترتيب صفوفها في الظل، منتظرة اللحظة التي تسمح لها بالعودة إلى مركز التأثير. تلك اللحظة جاءت مع الحرب الحالية التي أعادت العسكر إلى واجهة السلطة بقيادة عبد الفتاح البرهان، ومعها بدأت شبكات الإسلاميين القديمة تظهر تدريجيًا داخل مؤسسات الدولة.
الحرب بطبيعتها تخلق فراغًا سياسيًا. وحين يتراجع العمل المدني وتتقدم لغة السلاح، تتسع المساحة أمام التنظيمات الأكثر انضباطًا وتنظيمًا لتملأ هذا الفراغ. وهذا بالضبط ما حدث في السودان. فمع استمرار الصراع وتعطل المسار السياسي، عادت كوادر الحركة الإسلامية وشبكاتها التنظيمية إلى المشهد، ليس كحزب سياسي طبيعي، بل كقوة تحاول إعادة التموضع داخل الدولة التي كانت تحكمها يومًا.
هنا تحديدًا تتقاطع الحرب مع قرار التصنيف الأمريكي. فبالنسبة إلى دوائر القرار في واشنطن، لا يمكن فصل ما يحدث اليوم عن التاريخ السياسي للحركة الإسلامية في السودان. فالإرث الذي تركته سنوات حكم البشير – من العزلة الدولية إلى الصراعات الداخلية – ما زال حاضرًا في الذاكرة السياسية الغربية. ومع عودة شبكات الحركة إلى المشهد خلال الحرب، تصاعدت المخاوف من أن السودان قد يعيد إنتاج النموذج نفسه الذي قاده سابقًا إلى مواجهة مفتوحة مع المجتمع الدولي.
التصنيف الذي صدر اليوم ليس مجرد إجراء قانوني أو عقوبة سياسية؛ إنه رسالة واضحة بأن العالم لم يعد ينظر إلى الحركة الإسلامية السودانية كفاعل سياسي تقليدي، بل كشبكة أيديولوجية ارتبط اسمها بتجربة حكم أدت إلى تفكيك الدولة وعزلها دوليًا. ولهذا فإن القرار يحمل دلالات تتجاوز الحركة نفسها ليطرح سؤالًا أكبر وأكثر خطورة: إلى أي مدى ما زالت هذه الشبكات متغلغلة داخل مؤسسات الدولة السودانية؟
هذا السؤال وحده كفيل بإعادة السودان إلى دائرة الشك الدولي. فالدولة التي يُعتقد أن مؤسساتها متداخلة مع تنظيم مصنف إرهابيًا لن تُعامل في النظام الدولي كدولة طبيعية، بل كأزمة تحتاج إلى مراقبة وضغط دائمين. وهنا يكمن الثمن الحقيقي الذي قد يدفعه السودان نتيجة استمرار الحرب وعودة الشبكات القديمة إلى مفاصل السلطة.
ما يحدث اليوم هو لحظة مواجهة مع التاريخ السياسي للبلاد. فالسودان الذي حاول بعد سقوط البشير أن يفتح صفحة جديدة، يجد نفسه مرة أخرى في مواجهة إرث الحركة الإسلامية، ذلك الإرث الذي لم يُحسم بعد، ولم يُفكك جذريًا داخل مؤسسات الدولة. ومع صدور هذا التصنيف، يصبح واضحًا أن العالم يرى أن المشكلة لم تكن في النظام الذي سقط فقط، بل في البنية التنظيمية التي صنعته وما زالت تحاول العودة من خلف الستار.
لقد سقط القناع أخيرًا، ولم يعد السؤال إن كانت الحركة الإسلامية جزءًا من الأزمة السودانية، بل إلى أي مدى ما زالت ظلالها قادرة على تشكيل مستقبل الدولة نفسها. فالتاريخ قد لا يعيد نفسه حرفيًا، لكنه حين يجد الظروف نفسها يعيد إنتاج النتائج ذاتها. والسودان اليوم يقف عند تلك النقطة الخطرة التي قد تحدد ما إذا كان سيتجاوز إرث الماضي، أم سيبقى أسيرًا له لسنوات طويلة قادمة.
دكتور التوم حاج الصافي يكتب :الحركة الإسلامية في قفص الارهاب
مقالات ذات صلة

