تقدير موقف
وحدة الشؤون الافريقية، مركز تقدم للسياسات – لندن
تقديم: في 23 يونيو 2026، أدلى ناثانيال ريموند، المدير التنفيذي لمختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل، بشهادة وإفادة مكتوبة أمام لجنة التنمية الدولية في مجلس العموم البريطاني، ضمن تحقيق برلماني حول استجابة المملكة المتحدة لمنع الفظائع الجماعية. اتهم ريموند الحكومة البريطانية بإعطاء الأولوية لعلاقاتها الاستراتيجية مع الإمارات على حساب اتخاذ إجراءات لمنع المجازر في مدينة الفاشر السودانية، متحدّثاً عن إخفاق بريطاني في منع مجزرة أكتوبر 2025 التي راح ضحيتها ما لا يقل عن 60 ألف شخص، رغم امتلاك لندن معلومات استخباراتية مبكرة ومفصلة عن المخاطر.
المعطيات
محتوى الشهادة وطبيعتها
أوضح ريموند، في إفادته المكتوبة، أن فريقه زوّد وزارة الخارجية البريطانية على مدى أكثر من عامين ببيانات استخباراتية وصور أقمار صناعية وتحليلات مفتوحة المصدر، حذّرت من أن حصار الفاشر سيؤدي إلى مجاعة وقتل جماعي بحق المدنيين. غير أن الحكومة، بحسب إفادته، لم تستخدم الأدوات السياسية والدبلوماسية المتاحة للضغط على الأطراف الداعمة لقوات الدعم السريع.
أشار ريموند إلى أن بريطانيا، بصفتها “حاملة القلم” لملف السودان في مجلس الأمن الدولي، كانت تمتلك القدرة على قيادة تحرك دولي أكثر حزماً، شمل فرض عقوبات على مسؤولين إماراتيين أو اتخاذ إجراءات لوقف تدفق الأسلحة إلى قوات الدعم السريع، لكنها فضلت حماية مصالحها الاقتصادية والأمنية والدبلوماسية مع أبوظبي.
دور الإمارات وتفاصيل الاتهامات
كشف ريموند أن مسؤولين بريطانيين أبلغوه مباشرة بأن الضغوط السياسية المرتبطة بالعلاقة مع الإمارات حدّت من قدرة لندن على اتخاذ خطوات أكثر صرامة. بل طلبوا منه نشر بعض الأدلة التي جمعها مختبره بشأن ارتباط منشآت إماراتية بدعم قوات الدعم السريع، بدلاً من أن تعتمد الحكومة على أجهزتها الاستخباراتية لإثارة القضية رسمياً.
كما كشف ريموند أن الهجوم على الفاشر توقف مؤقتاً عقب صدور قرار مجلس الأمن رقم 2736، بعدما خشيت الإمارات من احتمال تضمن القرار عواقب سياسية عليها، قبل أن تستأنف قوات الدعم السريع عملياتها عندما تبين أن المجتمع الدولي لن يفرض إجراءات عقابية. وشملت انتقاداته مسؤولين ووزراء في حكومتي ريشي سوناك وكير ستارمر، بينهم ديفيد كاميرون وديفيد لامي وإيفيت كوبر. وفي المقابل، أكدت وزيرة التنمية الدولية وإفريقيا، البارونة تشابمان، أنها على علم بهذه الادعاءات وأنها نوقشت على أعلى مستوى داخل الحكومة.
التحليل السياسي
دلالات النشر الإعلامي الواسع
شهادة ناثانيال ريموند في مجلس العموم البريطاني، وإعادة نشرها في أبرز الصحف البريطانية رغم اختلاف توجهاتها وسياساتها التحريرية، يعكس وجود اهتمام عابر للانقسامات السياسية، ويمنحها زخماً ومصداقية أكبر، بما يشير إلى أن الملف يُنظر إليه باعتباره قضية تتعلق بأداء الدولة البريطانية في إدارة الحرب السودانية، وليس مجرد سجال حزبي. كما أن التغطية الإعلامية الواسعة ترفع الكلفة السياسية لتجاهل الاتهامات، وتجعل من الصعب احتواء القضية ضمن نطاق اللجنة البرلمانية، وهو ما قد يزيد الضغوط على الحكومة ووزارة الخارجية لتوضيح سياستهما تجاه الإمارات.
وتضع هذه التغطية الحكومة البريطانية تحت رقابة برلمانية وإعلامية أكبر بشأن إدارتها لملف السودان وعلاقاتها مع الإمارات. ومن المرجح أيضاً أن يؤدي تناول الشهادة في أكثر من وسيلة إعلامية رئيسية إلى استمرار متابعة القضية باعتبارها ملفاً سياسياً ذا تداعيات على السياسة الخارجية البريطانية، وليس مجرد رأي أو تقييم أكاديمي.
ثانياً: طبيعة الاتهامات وحدودها:
تعكس الإفادة اتهامات وتقييماً قدمه ريموند أمام البرلمان البريطاني، وليست نتائج تحقيق قضائي أو موقفاً رسمياً للحكومة البريطانية. وفي المقابل، أقرت وزيرة التنمية الدولية وإفريقيا بأن الحكومة اطلعت على هذه الادعاءات وناقشتها على أعلى المستويات، لكنها لم تؤكد صحة الاتهامات أو تقر بوجود تقصير رسمي. من المتوقع أن تترتب على هذه الشهادة تداعيات سياسية ودبلوماسية وقانونية، إلا أن حجمها سيعتمد على ما إذا كانت لجنة التنمية الدولية أو البرلمان البريطاني سيتبنيان هذه الاتهامات أو يطالبان بإجراءات رسمية.
ثالثاً: أفق التداعيات المحتملة:
يرجح أن تكون التداعيات الأساسية سياسية وبرلمانية، تتمثل في زيادة الضغوط على الحكومة البريطانية وتكثيف الرقابة على سياساتها تجاه السودان والإمارات. أو حدوث تحول جوهري في السياسة البريطانية أو في العلاقات مع الإمارات، فسيظل مرهوناً بظهور أدلة إضافية، أو صدور نتائج رسمية عن لجان برلمانية أو تحقيقات مستقلة تؤيد ما ورد في الشهادة.
أما أهمية النشر الواسع فلا تكمن فقط في مضمون الشهادة، بل في أنه أدخل العلاقة البريطانية–الإماراتية في سياق الحرب السودانية إلى قلب النقاش العام البريطاني، وهو تطور قد تكون له انعكاسات على مستوى المساءلة السياسية، حتى لو لم يؤدِ بالضرورة إلى تغيير فوري في سياسة لندن تجاه أبوظبي.
خلاصة واستنتاجات:
– تعكس شهادة ناثانيال ريموند أمام البرلمان البريطاني اتهاماً جاداً للحكومة البريطانية بإعطاء الأولوية لعلاقاتها الاستراتيجية مع الإمارات على حساب الالتزام بمنع الفظائع الجماعية في السودان، وذلك رغم امتلاك لندن معلومات استخباراتية مبكرة عن انتهاكات الفاشر.
أقرت وزيرة التنمية الدولية وإفريقيا بأن الحكومة اطلعت على هذه الادعاءات وناقشتها على أعلى المستويات، لكنها لم تؤكد صحتها أو تقر بتقصير رسمي، مما يبقي الملف في إطار الاتهامات البرلمانية وليس الإدانة القضائية.
من المتوقع أن تترتب على الشهادة تداعيات سياسية وبرلمانية متمثلة في زيادة الضغط على الحكومة وتكثيف الرقابة على سياساتها تجاه السودان والإمارات، بينما يبقى حدوث تحول جوهري في السياسة البريطانية مرهوناً بظهور أدلة إضافية أو نتائج رسمية من لجان برلمانية أو تحقيقات مستقلة.
لا تكمن أهمية النشر الإعلامي الواسع للشهادة في مضمونها فحسب، بل في أنها أدخلت العلاقة البريطانية-الإماراتية في سياق الحرب السودانية إلى قلب النقاش العام البريطاني، وهو تطور يعكس اهتماماً عابراً للانقسامات السياسية ويرفع الكلفة السياسية لتجاهل الاتهامات، مع انعكاساته المحتملة على مستوى المساءلة السياسية، وإن لم يؤدِ بالضرورة إلى تغيير فوري في سياسة لندن تجاه أبوظبي.

