بقلم: عزيز جنرال
يحتفي العالم في الثامن من مارس/ آذار من كل عام باليوم الدولي للمرأة، تأكيداً على التزام الأمم والشعوب والدول بمبادئ العدالة والمساواة على أساس النوع، واستحضاراً لمسيرتها الطويلة من أجل مناهضة الهيمنة الأبوية والقوانين الجائرة التي تنتهك كرامتها وتسلب حريتها وحقوقها الأساسية.
إن هذا اليوم العظيم هو بمثابة فرصة لتسليط الضوء على قضايا النساء، والظروف المأساوية، وأزمات الحروب التي تواجهها المرأة في مختلف أنحاء العالم؛ إذ إنه يومٌ يُذكّر بأن تمكين النساء ومشاركتهن في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية يجب ألا تكون مجرد شعارات جوفاء، بل ركيزة أساسية وخطوة حاسمة نحو خلق عالم أكثر سلاماً وعدلاً وازدهاراً.
وفي هذا اليوم التاريخي، يسعدني أن أبعث بتحية انحناء واحترام لـ “كنداكات” بلادي، توقيراً وتبجيلاً لأدوارهن في النضال الوطني وقدرتهن على الثبات والمثابرة في ساحات العناء والشدّة والكوارث والتحولات الكبرى. وعلى الرغم من كل الجهود المبذولة محلياً ودولياً لتعزيز مبدأ المساواة على أساس النوع الاجتماعي انطلاقاً من “منهاج بيكين 1995″، و”خطة التنمية المستدامة 2030″، والقرار الأممي “1325” المتعلق بإشراك المرأة في عمليات بناء السلام والوساطة، إلا أن التقارير والمؤشرات في مجال حقوق الإنسان والتنمية البشرية تكشف بأن القيود الثقافية والدينية والفجوات ما زالت قائمة وراسخة بين النساء والرجال، وأن التصورات والأوهام الذكورية ضد النساء والفتيات في حالة تنامٍ وتمدد بسبب الظلم، والتقاليد والعادات الضارة، والفقر، والأمية، والعنصرية المؤسسية.
نضالات المرأة الأفريقية والسودانية:
لقد برهنت المرأة السودانية عبر التاريخ أنها صانعة الأمل في زمن الموت، وعمود أساسي في الكفاح الثوري، محولةً دورها المجتمعي إلى قوة ناعمة واجهت بها ميادين خشنة من الأنظمة الشمولية والديكتاتورية، والعقلية الذكورية، والحروب الأهلية. وعلى مدار 70 عاماً من عمر “الاستغلال” (وليس الاستقلال) الوطني، ظلت المرأة السودانية تناضل بكل اقتدار وجسارة في سبيل استعادة حقوقها وكرامتها والتحول المدني الديمقراطي. ورغم موجات التيارات المتطرفة والدساتير العنصرية، ستظل المرأة الأفريقية والسودانية رمزاً شامخاً للتحدي والشجاعة والعزة، وقدوةً تمثل روح الكفاح النبيل والنضال المتواصل من أجل إرساء مبادئ السودان الحديث والمساواة والعدالة لجميع النساء في العالم.
النزاعات المسلحة والعنف على أساس النوع الاجتماعي: وضعية النساء والفتيات والأطفال:
تأثرت معظم الفتيات والنساء بأزمات الحروب العويصة، لا سيما المرضعات، والحوامل، والفتيات الصغيرات، والأرامل، والنساء من ذوي الإعاقة؛ إذ إن الصراعات المسلحة دائماً ما تؤدي إلى تفكك الأسر، والتشرد، وانتشار ظواهر الاحتيال، وامتهان الحاجة( تأكل بثدييها)، والهجرة إلى مدن ودول أخرى بحثاً عن لقمة العيش والأمان. فضلاً عن تزايد عقبات الاستقرار الاجتماعي، وتضاؤل فرص تكوين الأسر، وارتفاع معدلات الطلاق والفقر وسط المجتمعات.
الوضع الراهن الدولي والإقليمي والمحلي:
في اليوم العالمي لمناصرة المرأة، لا تزال سيدات كثيرات في مختلف بقاع العالم يتعرضن للتحرش والعنف المنزلي والاغتصاب والاضطهاد، ويواجهن غياب المساواة في الحقوق اجتماعياً وقانونياً؛ لذا تبرز الأهمية القصوى لدعم ومساندة الحركات النسوية ومنظمات المجتمع المدني لتمكين المرأة، ومؤازرة مساهماتها في صنع وتنفيذ ومراقبة القرار السياسي والفكري والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والقانوني. كما يجب تمكينها في كافة مناحي الحياة لمناهضة الثقافات المعادية لحقوق الإنسان وحرية النساء.
إن دور النساء داخل الأحزاب السياسية والحركات الثورية والنقابات ما زال دوراً هامشياً، ولم يصل لمرحلة الريادة والقيادة والسيادة النسوية؛ ويعود ذلك إلى أزمة الفجوة بين الشعارات والتطبيق، وأحياناً إلى هشاشة واقع المرأة، ونظرة الرجال للنساء باعتبارهن “جرار عسل” (Honey Pots) فحسب، لا كمرجعيات وقدوات وقيادات استراتيجية في مسار بناء وإدارة المؤسسات والمجتمعات بحنكة وحكمة.
لذا، من الضروري تدريب الرجال والنساء على حد سواء للاستفادة من قدرات المرأة الذهنية والمعرفية، لخلق مجتمع علمي وديمقراطي وعادل وحر، بعيداً عن الانغماس في التفاعلات البيولوجية اللحظية المجردة.
عاشت نضالات الكنداكات السودانيات، وعاشت تضحيات المرأة السودانية من أجل الحرية، السلام والعدالة الاجتماعية.

