الأحد, مارس 15, 2026
الرئيسيةاخبار سياسيةصدور كتاب جديد: “التنمية الزراعية من أجل السلام في السودان” … رؤية...

صدور كتاب جديد: “التنمية الزراعية من أجل السلام في السودان” … رؤية استراتيجية تعيد الاعتبار للأرض وتفتح طريق النهضة

كتب.. حسين سعد

في إضافة فكرية مهمة إلى أدبيات التنمية وبناء السلام في السودان، صدر حديثاً كتاب “التنمية الزراعية من أجل السلام في السودان” للخبير التنموي حسن علي سنهوري، وهو عمل تحليلي واستراتيجي يسعى إلى إعادة طرح السؤال الجوهري حول مستقبل السودان الاقتصادي والسياسي من بوابة الزراعة، باعتبارها المورد الأكبر والرافعة الأساسية للاستقرار والتنمية.
ويأتي صدور هذا الكتاب في لحظة تاريخية دقيقة يمر بها السودان، حيث تتقاطع الأزمات السياسية والاقتصادية والإنسانية، بينما يظل السؤال الأكبر مطروحاً: كيف لدولة تمتلك ما يقارب 173 مليون فدان من الأراضي الصالحة للزراعة أن تواجه تحديات الجوع والنزوح والصراع؟
الكتاب يقدم إجابة عميقة لهذا السؤال، من خلال تفكيك ما يسميه المؤلف “المفارقة السودانية الكبرى”؛ إذ يؤكد أن المشكلة لا تكمن في نقص الموارد الطبيعية أو ضعف الإمكانات الزراعية، بل في الأزمة الإدارية والتخطيطية التي حكمت إدارة القطاع الزراعي لعقود طويلة، وأدت إلى خلل بنيوي في توزيع الموارد والاستثمارات.

يركز الكتاب الذي يضم تسعة فصول وأربعة أجزاء ومقدمة الناشر ومقدمة الكاتب كما يركز الكتاب على فكرة مركزية مفادها أن الزراعة ليست مجرد نشاط اقتصادي، بل مشروع وطني لصناعة السلام والاستقرار. ومن خلال تحليل دقيق، يوضح سنهوري كيف ساهمت السياسات التنموية غير المتوازنة في تعميق الفوارق بين الأقاليم، مما خلق بيئة خصبة للصراعات المسلحة والنزاعات الاجتماعية.
ويستعرض المؤلف ما يصفه بـ “متلازمة مشروع الجزيرة”، حيث يبين أن نحو 60% من الإنفاق الحكومي التاريخي توجه نحو القطاع الزراعي المروي في وسط السودان، بينما لم يحصل القطاع المطري التقليدي في مناطق دارفور وكردفان إلا على نحو 10% فقط. ويرى أن هذا الاختلال الهيكلي أسهم في تحويل المناطق الزراعية المنتجة إلى مناطق مهمشة، لتصبح لاحقاً بؤراً للصراع.
ومن خلال هذا التحليل، يربط الكتاب بين الجغرافيا الاقتصادية وجغرافيا الحرب، مؤكداً أن غياب العدالة التنموية أدى إلى تفكيك منظومات الصمود الاجتماعي، وفتح الباب أمام النزاعات.

لا يكتفي الكتاب بالتشخيص، بل يقدم رؤية استراتيجية شاملة لإعادة بناء القطاع الزراعي السوداني على أسس حديثة، من خلال منهجية التفكير المنظومي وسلاسل القيمة، التي تحول الزراعة من مجرد إنتاج للسلع إلى منظومة اقتصادية متكاملة لصناعة الاستقرار والتنمية.
ويقترح المؤلف خارطة طريق وطنية تقوم على عدة مرتكزات، أبرزها:
إصلاح سياسات وقوانين الأراضي، خاصة قانون 1970.
الاعتراف بالأنظمة التقليدية للملكية مثل الحواكير بوصفها مدخلاً لحل النزاعات التاريخية.
دمج الثروة الحيوانية الضخمة في الاقتصاد الزراعي.
تطوير سلاسل القيمة الزراعية لربط الإنتاج بالأسواق المحلية والعالمية.
كما يسلط الضوء على الإمكانات الهائلة للثروة الحيوانية في السودان، والتي تقدر بنحو 105 ملايين رأس، ويرى أنها يمكن أن تشكل أحد أعمدة الاقتصاد الوطني إذا ما أُحسن دمجها في منظومة إنتاجية متكاملة.

يمثل هذا الكتاب، في جوهره، نداءً استراتيجياً لصناع القرار والباحثين والممارسين في مجال التنمية للانتقال من مرحلة إدارة الأزمات المتكررة إلى مرحلة بناء اقتصاد إنتاجي قائم على الزراعة.
ويرى المؤلف أن تحقيق النهضة الاقتصادية في السودان يبدأ بإصلاح الفكر الإداري والسياسات العامة، مؤكداً أن “إصلاح العقول هو الخطوة الأولى لإصلاح الحقول”، وأن السلام الحقيقي يمكن أن يولد من الأرض عندما تتحول الزراعة إلى مشروع وطني جامع.
ويختتم الكتاب برسالة رمزية عميقة تختزل فلسفته التنموية:
“الحقول الخضراء هي أقوى جيوش السلام.”

الجدير بالذكر ان مؤلف الكتاب الاستاذ حسن علي سنهوري هو خبير دولي في التنمية الاقتصادية يمتلك خبرة تتجاوز 25 عاماً في تصميم الأنظمة السوقية وتطوير سلاسل القيمة الزراعية. وقد ترأس فريق العمل الوطني للتحول الزراعي بمجلس الوزراء الانتقالي في السودان، ويُعرف برؤيته العملية القائمة على العمل الميداني وفهم سبل كسب العيش في البيئات الهشة والمتأثرة بالصراعات.

ويمثل كتاب “التنمية الزراعية من أجل السلام في السودان” إضافة نوعية للمكتبة التنموية السودانية، إذ يقدم رؤية تجمع بين التحليل الاقتصادي العميق والطرح الاستراتيجي الواقعي، ويعيد التأكيد على أن مستقبل السودان يمكن أن يبدأ من الأرض، وأن الزراعة ليست مجرد قطاع اقتصادي، بل مشروع سيادي لبناء السلام والاستقرار والازدهار.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات