ذوالنون سليمان، وحدة الشؤون الافريقية، مركز تقدم للسياسات
تقدير موقف:
المعطيات والوقائع:
تشير معطيات موثوقة إلى تحوّل باكستان خلال الأشهر الأخيرة إلى فاعل نشط في ملف تسليح دولتين عربيتين تعيشان نزاعات مسلّحة معقّدة، هما السودان وليبيا، في خطوة تحمل أبعادًا تتجاوز البعد التجاري إلى مستويات سياسية وأمنية إقليمية أوسع.
فبحسب ما أفادت به مصادر عسكرية، ونقلته وكالة رويترز في 9 يناير/كانون الثاني 2026، فإن باكستان وصلت إلى مراحلها النهائية لإبرام صفقة تسليح مع السودان تُقدَّر قيمتها بنحو 1.5 مليار دولار. وتمثّل هذه الصفقة، في حال اكتمالها، دعمًا نوعيًا مباشرًا للجيش السوداني في حربه الجارية ضد قوات الدعم السريع. وقد أكد مسؤول سابق رفيع المستوى في القوات الجوية الباكستانية، إلى جانب ثلاثة مصادر أخرى مطلعة، أن الصفقة باتت “في حكم المبرمة”، بما يوحي بأن المسألة تجاوزت مرحلة التفاوض إلى مرحلة الترتيبات التنفيذية.
وفي سياق متصل، كانت باكستان قد توصّلت في ديسمبر/كانون الأول 2025 إلى اتفاق عسكري آخر تتجاوز قيمته أربع مليارات دولار لبيع معدات عسكرية إلى الجيش الوطني الليبي في شرق ليبيا. وتُعد هذه الصفقة من أكبر صفقات السلاح في تاريخ باكستان الحديث، وقد جاءت عقب اجتماع رسمي جمع قائد الجيش الباكستاني عاصم منير بنائب القائد العام للجيش الوطني الليبي، صدام خليفة حفتر، في مدينة بنغازي. وتكتسب هذه الصفقة دلالتها الخاصة كونها أُبرمت رغم استمرار حظر السلاح الأممي المفروض على ليبيا، ما يضعها في سياق سياسي وقانوني بالغ الحساسية.
تشير المعلومات المتاحة إلى أن الصفقة السودانية تشمل تزويد الجيش السوداني بعشر طائرات هجومية خفيفة من طراز “كاراكورام–8”، وأكثر من مئتي طائرة مسيّرة مخصّصة لمهام الاستطلاع والهجوم، إضافة إلى أنظمة دفاع جوي متطورة، وطائرات تدريب من طراز “سوبر مُشاق”. كما لا يُستبعد إدراج مقاتلات “JF-17” المطوّرة بالشراكة مع الصين ضمن الصفقة، وإن لم يُعلن رسميًا عن أعدادها أو جداول تسليمها حتى الآن.
لا يعكس الحضور الباكستاني المتنامي في ملف تسليح السودان وليبيا تراجعًا مباشرًا أو إحلالًا صريحًا للنفوذ التركي القائم في هاتين الساحتين، بقدر ما يعكس عملية إعادة توزيع للأدوار داخل سوق النفوذ العسكري الإقليمي. ففي هذا السياق، تدخل باكستان بوصفها فاعلًا مكمّلًا، منخفض الكلفة السياسية والدبلوماسية، في مساحات لم تعد تركيا قادرة أو راغبة في الانخراط العلني والمباشر فيها، سواء بفعل القيود الدولية أو الحسابات الإقليمية المعقّدة.
النتيجة المرجّحة لهذا التحوّل ليست إقصاء لاعب قائم بقدر ما هي تفكيك احتكار المورد الواحد. أي أننا أمام انتقال تدريجي من نموذج “الشريك العسكري الواحد” إلى نموذج “سوق النفوذ المفتوحة”، حيث تتوزّع أدوار التسليح والدعم بين أكثر من طرف، كلٌّ وفق حساباته الخاصة. في هذا الإطار، لا تخسر تركيا نفوذها بالكامل، لكنها تفقد قدرتها على الاحتكار الحصري لمسار التسليح، بما يحدّ من قدرتها على توجيه المسارات السياسية والعسكرية منفردة.

البعد السعودي غير المُعلن:
لا تتوافر حتى الآن أدلة علنية أو وثائق رسمية تُثبت أن المملكة العربية السعودية طرف مباشر أو تعاقدي في هذه الصفقات. غير أن تراكم المؤشرات السياسية والاستراتيجية يوحي بوجود دور سعودي غير مُعلن، يقوم على التمكين السياسي وتسهيل البيئة الإقليمية، دون الانخراط المباشر أو الظهور العلني.
يخدم هذا الدور أهداف الرياض الإقليمية دون أن يضعها في موقع تحمّل كلفة قانونية أو دبلوماسية مباشرة. ويتجلّى ذلك في نوع من التوافق السياسي الصامت، إذ تتقاطع هذه الصفقات مع هدف سعودي مركزي يتمثّل في تعزيز الجيوش النظامية بوصفها الفاعل السيادي في مواجهة القوى المسلحة الخارجة عن إطار الدولة، سواء في السودان أو ليبيا. كما تنسجم هذه المقاربة مع أولويات المملكة في البحر الأحمر والساحل الإفريقي، حيث يشكّل تثبيت الاستقرار ومنع تحوّل هذه الساحات إلى بؤر تهديد للأمن الإقليمي أولوية استراتيجية مستدامة.
ويأتي هذا الدور ضمن نمط سعودي أوسع يمكن توصيفه بـ“القيادة من الخلف”، وهو نهج تبلور بوضوح بعد تجربة اليمن، حيث باتت الرياض تفضّل التأثير دون الظهور، والتفويض غير المباشر بدل الانخراط العلني. وفي هذا السياق، يوفّر الدور الباكستاني غطاءً مناسبًا يسمح بتحقيق الأهداف الأمنية والسياسية دون تحمّل تبعاتها المباشرة.
ويعزّز هذا التقدير غياب أي اعتراض سعودي معلن أو مساعٍ لعرقلة هذه الصفقات، رغم حساسية الساحتين وخضوعهما لقيود دولية واضحة، بما يجعل الصمت السعودي دلالة قبول ضمني أكثر منه موقف حياد.
ويقتضي التحليل كذلك التمييز بين الساحتين. ففي السودان، يبدو الهدف السعودي أكثر وضوحًا، ويتمثّل في منع انهيار الجيش بوصفه العمود الفقري للدولة، ويجري هذا التمكين عبر القبول السياسي وتسهيل البيئة الإقليمية دون تدخل مباشر. أما في ليبيا، فيتسم الدور السعودي بدرجة أعلى من التحفّظ، ويهدف أساسًا إلى موازنة النفوذ القائم بدل رعايته أو قيادته، مع غياب مؤشرات على انخراط مالي أو لوجستي مباشر.
الخلاصة:
**يمكن تلخيص الموقف في أن الدور السعودي في صفقات السلاح الباكستانية مع السودان وليبيا هو دور سياسي غير مباشر، يقوم على التمكين بالصمت، والاستفادة دون التوقيع، والتأثير دون تحمّل المسؤولية العلنية. فالمملكة ليست طرفًا في هذه الصفقات، لكنها تبقى جزءًا من معادلة السماح بحدوثها وتوفير البيئة السياسية اللازمة لها.
**تشير التقديرات إلى أن هذا الدعم، ولا سيما في ما يتعلق بالطائرات المسيّرة والمقاتلات، قد يمكّن الجيش السوداني من استعادة التفوق الجوي النسبي الذي امتلكه في المراحل الأولى من الحرب، في مواجهة تصاعد استخدام قوات الدعم السريع للطائرات المسيّرة وسيطرتها على مناطق إضافية، وهو ما قد يفضي إلى تعديل موازين القوة الميدانية القائمة.
**في المحصلة الأوسع، تعكس صفقات السلاح مع السودان وليبيا انتقال باكستان من دور تقليدي محدود في تجارة السلاح إلى فاعل مؤثّر في أسواق التسليح المرتبطة بالنزاعات، مستفيدة من الفراغ الذي خلّفه تراجع الانخراط الغربي، ومن ارتفاع كلفة التدخل العلني لقوى إقليمية أخرى، بما يعيد رسم خريطة مورّدي السلاح في مناطق الصراع العربية.

