ياسر عرمان
كان يوماً من ايام اسمرا عاصمة إريتريا الأنيقة التي تستحم على زخات المطر وتأخذ منشفتها من أشعة الشمس، ودرجت على طقس راتب أن أبدا رحلتي في بدايات المساء والمشاء من حي (ترافولو) حيث أقيم إلى شارع الحرية (كمشتاتو) الشارع الرئيسي في وسط المدينة، كانت الشمس تميل على اكتاف البنايات في مساءً أخاذاً، وعند الكنيسة التي تقع في قلب الشارع التقيت بأحد الاصدقاء الإرتريين، وبعد التحايا دفع لي بورقة صغيرة وذكر انها من احد السودانيين القادمين من الخرطوم والذي يسأل عني بشدة وانه يجلس في القهوة المجاورة لمبنى الخطوط الجوية الاثيوبية على بعد خطوات من الكنيسة، رافقني وقتها زميلي دانيال برنجي وهو ضابط إشارات في الجيش الشعبي ويعمل معي في المكتب ويتولى ارسال الرسائل عبر جهاز طويل المدى لقيادة الحركة الشعبية والجبهة الشرقية وهو من ابناء غرب الاستوائية، ذهبنا كلانا وأسرعنا الخطى بعد اطلاعي على تلك الرسالة والتي كانت من بدوي تاجو المحامي وقد كان في زيارة لاسمرا في النصف الثاني من التسعينيات، أسعدتني الرسالة ومنيت النفس بلقاء مع بدوي تاجو الذي تعرفت عليه في مطلع الثمانينات وقد تخرج حينها من الجامعة وعمل في سلك المحاماة، كان تاجو (الرقيق خيط الشلة) إنسان رفيع ومثقف موسوعي ذو إحاطة بقضايا الفقه والشريعة والجدل القانوني والدستوري وجيد الاطلاع على أطروحات الاسلاميين ومنافح قوي العارضة، دقيق العبارة في حواراته الشيقة، منتمي في دفاعه عن قضايا الناس، لازلت أذكر كيف انبري للدكتور الترابي في سنوات مجده وزهوه بتطبيق الشريعة في أحدى ندوات الثمانيات في جامعة الخرطوم وحصد الإعجاب براجحة رأيه وشجاعته المعنوية وتفوقه الأخلاقي في لجة دكتاتورية جعفر نميري.
في يوم السبت ١٣ ديسمبر ٢٠٢٥ من الشهر الماضي، رحل بدوي تاجو في كندا البعيدة ووجدت نعياً باهتاً عند مراجعتي للرسائل النصية في وسائل التواصل الإجتماعي، ذلك النعي لم يذكرنا بالمعاني العديدة التي مثلها بدوي تاجو وحبه لهذه البلاد التي تخصه وقد رحل وتركها وانهالت عليها النصال من كل حد وصوب، ولقد رأى بدوي قبل رحيله السيوف التي تقطر دماً والباحثات عن الموارد والسلطة تنهال على السودان، ورأى المصاحف القديمة التي خبرها على أسنة الكرامة والدواعش مرة وأخرى مرفوعة بأسم دولة ٥٦ وبناء سودان جديد بالإبادة والتطهير! رأى بدوي فيما رأى مدينة النهود مسقط رأسه في مباراة دموية لكرة القدم تتقاذفها الأيادي الآثمة، وفي أيامنا الماضيات ولقائنا الأول لم نهتم لاي مدنية وقبيلة كان بدوي ينتمي، كان همنا ولا يزال هو السودان ولازالت اختياراتنا القديمة هي التي تمدنا بطاقة اليوم، ولازال السودان في روحنا وعقلنا وزادنا ونتذكره في كل ليلة وصباح.
تجاوزت مبنى الخطوط الجوية الاثيوبية وشاهدت في القهوة المجاورة بدوي تاجو يجلس على طاولة وحيداً إلا من القهوة التي أمامه وفي الطاولة المجاورة له لمحت الأستاذ والمناضل الاستثنائي محمد سعيد ناود الذي طالما التقيته في هذه القهوة على نفس الطاولة وفي نفس التوقيت يحمل دوماً بشاشته وحبه المقيم للسودانيين، وكيف ينقضي حبه وهو ابن مدينة بورتسودان والمتجذر الانتماء لاريتريا بل هو مؤسس حركة تحرير اريتريا في الخمسينيات وكان طليعياً في المناداة بحقوق الإرتريين، وعضواً في تنظيمات اليسار السوداني في بورتسودان، عانقت بدوي تاجو بحرارة ثم حييت العم محمد سعيد ناود الذي التقيته مراراً في هذه القهوة وهو لا يتركك ان تمر إلا بعد تقديم الضيافة ويسأل عن أخبار السودان، قدمت له بدوي تاجو وبعد ان ارتشفنا القهوة بطعم حديث شهي عن السودان واريتريا ذهبت مع بدوي وأمضيت معه ايام زاهيات في الحوار في المرتين التي زار فيهما اسمرا وتوطدت صلتي به ورغم تباعد المسافات وفارق الزمن بيننا وبين كندا البعيدة تبادلت معه الرسائل، وقبل عدة شهور من وفاته اقترحت على دكتور محمد صالح يسين ان يبحث عنه ويقترح عليه الانضمام لمجموعة الدفاع عن حقوق الانسان في مدينة جنيف وهو المؤهل والجدير بهذه المهمة، يدفعني لكتابة هذا المقال تقديري العميق لبدوي الانسان والمثقف المنحاز لغمار الناس والباحث عن المواطنة بلا تمييز، وشعوري بالأسف لان رحيله لم يجد ما يوازي قيمة بدوي وكده وكدحه في سبيل الناس، ربما بسبب الحرب وتكاثر المأسي وفيض الأحزان.
بدوي تاجو كان في مقدمة الركب الذي فطن عن معرفة ووعي لخطر الاسلاميين على بلادنا ومجتمعنا وخطر أطروحاتهم على مستقبل السودان والذي تتمثل قوته الرئيسية في التنوع والتعدد التاريخي والمعاصر مما لا يتماشى مع فكرهم الأحاديّ، وكان بدوي يشار اليه بالبنان في سنوات دراسته الجامعية وبعدها، وظل شديد الوضوح حول قضايا المواطنة، ويكفي ان مولانا ابيل الير الذي أُسميه (مواطن الخرطوم الأول)، ففي سنوات حروب الجنوب ظل مولانا ابيل الير مرتبطاً بالخرطوم لم يغادرها رغم تعدد الخيارات أمامه وهو الذي كان في مدينة بور في ١٦ مايو ١٩٨٣ يوم ان تأسست الحركة الشعبية وعاد من بور إلى الخرطوم، ومولانا ابيل ذكره محمود في السودان وفي جنوب السودان واقول عنه دوماً، ان المصانع التي أنتجته قد اغلقت أبوابها! فالسودان لم يعد مليون ميل مربع.
كتب مولانا أبيل الير مقدمة كتاب بدوي تاجو (أنموذج الاضطهاد الديني بالسودان في ظل سلطة الجبهة القومية الإسلامية) في ٢٧/٨/١٩٩٨ في قمة صلف وعنفوان الإنقاذ وقتها كان الحديث مكلفاً حتى الحياة ،وتحدث بدوي تاجو ودافع عن الكنيسة الكاثولوكية بدنقلا وذكر لي بانه قد أُدخل السجن مع قساوسة الكنيسة في مفارقة تُعرف بطبيعة نظام الإنقاذ.
وصف مولانا ابيل الير بدوي بالشجاعة وتوقف عند كونه محامي مسلم دافع عن حقوق المسيحيين، وهذا بعض ما تحتاجه بلادنا لتحافظ على وحدتها، وشهادة مولانا ابيل الير لا يعلى عليها فهي من قانوني وقاضي ضليع دقته مثل ميزان الذهب، لقد كان بدوي مدافعاً لا يعرف التردد عن المواطنة وحق الآخرين في ان يكونوا اخرين.
كتب بدوي تاجو أنشودة المطر في مناسبة العصيان السوداني وهي مجموعة أشعار، كما كتب مقالات عديدة مدافعاً عن الشعب وفاضحاً لجرائم الاسلاميين وغشهم وتضليلهم وتطفيفهم، وفي كتابه الموسوم بعنوان (الدولة العابدة) الذي صدر في التسعينات كان بدوي تاجو مدافعاً صلباً عن الحقوق والعدالة.
في بداية الألفية هاجر بدوي إلى كندا وهاهو الآن يفارق الحياة ويغادر عالمنا حاملاً محبته وانتمائه العميق وروحه الزاهدة وتواضعه الجم وعقله وقلبه اللذان تعلقا بالنيل ومدينة النهود، وبدوي ديسمبري أرهقته حرب ١٥ أبريل ومفارقات الحياة والمهاجر البعيدة، الا رحم الله بدوي تاجو والعزاء لاسرته وزوجته السيدة سوسن شيقدي وأبنائه واهله وإلى الغلابة والناس الطيبين في بلادنا وفي النهود وشمال كردفان وفي كردفان الكبرى، ان بلادنا يا بدوي ستنهض من جديد.
سلام على بدوي تاجو الانسان والمناضل والمحامي والرفيق.
١٨ يناير ٢٠٢٦

