تحليل سياسي : محمد لطيف
هذا التوصيف ليس من عندي ولا هو من إجتهادات مراقبين .. بل هو ما صدر عن أعلى جهة ذات إختصاص .. فهذا هو التعليق الذي تم تداوله داخل اجتماعات المجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيمائية في دورتها رقم 112 المنعقدة في 7 يوليو الجاري حول تقرير تلقته من بعثة السودان لدى المنظمة ويحمل صفة عاجل ..صادر عن اللجنة الوطنية للتحقيق في مزاعم إستخدام الأسلحة الكيميائية..فالتقرير الذي ظلت تطالب به منظمة حظر الأسلحة الكيمائية ورغم أن السودان عضو في المجلس التنفيذي للمنظمة إلا أن هذا التقرير لم يصل الى الأمانة الفنية للمنظمة إلا في السادس من يوليو الجاري أي قبل يوم واحد فقط من إنعقاد إجتماعات المجلس التنفيذي للمنظمة .. ولكي نقف على حقيقة التوصيف الذي لحق بالتقرير كونه مفاجئا وصادما فلابد من العودة الى القصة من بدايتها ..!
التلويح بإستخدام القوة المميتة والخفية :-
يعود ذلك الى منتصف العام 2024 أي العام الثاني للحرب المدمرة التى يشهدها السودان ..حيث اعلن قائد الجيش ورئيس المجلس السيادي في حكومة بورتسودان الفريق اول عبد الفتاح البرهان أمام حشد من قواته وفي معرض مطالبته لقوات السريع بالإنسحاب من المواقع التي تسيطر عليها أن لديهم قوة مميتة وسيستخدمونها إن دعى الأمر.. وبعد ثلاثة اشهر فقط من ذلك التاريخ أعاد الفريق ياسر العطا ( وهو الأقرب في كابينة القيادة لمليشيا الإسلاميين الإرهابية المنخرطة في الحرب بجانب الجيش) أعاد ذات تهديد البرهان ولكن بلغة مختلفة حيث قال إنهم جاهزون لإستخدام اكبر قدر من القوة الخفية بالقدر الذي يسمح به القائد ..ويعني البرهان بالطبع ..ووقتها لم يجد المراقبون والمحللون تعريفا للقوة المميتة و الخفية غير الأسلحة المحرمة دوليا ..!
كشف المستور :-
عقب تلك التصريحات بدأت العديد من الظواهر تتشكل على الأرض .. أولاها مظاهر آثار لأسلحة غير مرئية ( كان هذا وصف العطا بالضبط ) مثل حالات ضيق التنفس وحالات الإجهاض غير المبرر لأرقام غير طبيعية وسط النساء ثم تغير لون المياه و نفوق الحيوانات بأعداد كبيرة وفوق كل هذا حالات الإغماء المفاجئ والموت السريع لمئات المواطنين .. أما كبرى المفاجآت فقد تمثلت في ظهور عناصر المليشيا الإسلامية الموالية للجيش على مختلف مواقع السوشيالميديا وهم يرتدون أقنعة واقية من الغازات السامة وكأنهم يمدون ألسنتهم لخصومهم أو يقولون للعالم .. لا تحتاجون للبحث والتقصي فها نحن نحمل الأدلة في وجوهنا .. وبدأت قرون الإستشعار تتحرك هنا وهناك .. وبدأت أسئلة خجولة تطرح هنا وهناك .. ورغم كل الشواهد ظل الجيش ينفي استخدامه لأية اسلحة محظورة في الحرب .. ولكن في منتصف مايو 2025 وعلى صفحات نيويورك تايمز جاءت الحقائق سافرة .. الجيش السوداني استخدم اسلحة محظورة دوليا .. مثل غاز الكلور .. في حربها ضد الدعم السريع ..!
النفي الحكومي والضغط الدولي :-
وجاء النفي الحكومي سريعا .. كالعادة .. بأن الجيش يحترم القانون الإنساني الدولي ولم يستخدم اسلحة محظورة .. وكان جليا أن هذا النفي لم يقدم دليلا لمصداقيته .. فأعلنت الخارجية الأمريكية في الإسبوع الثالث من مايو 2025 توقيع عقوبات على الجيش وقائده بتهمة استخدام اسلحة محظورة دوليا في الحرب ..وطالبت الحكومة السودانية بالسماح لمفتشين دوليين للتحقق من الوقائع المتعلقة بإستخدام اسلحة محظورة دوليا .. ثم طالبت منظمة حظر الإسلحة الكيميائية السودان بضرورة الإمتثال للضوابط الحاكمة من ضرورة تمكين المنظمة من الوصول الى المواقع المشتبه بتعرضها للأسلحة المحظورة .. سيما وأن السودان عضو في المجلس التنفيذي للمنظمة .
الهروب الى الأمام :-
بعد اسبوع واحد من صدور العقوبات الأمريكية على البرهان شعر الرجل (الذي يعرف أنه لا يتحرك إلا إذا شعر بإقتراب الخطر منه ).. أن الصمت لم يعد يكفي في موضوع الأسلحة الكيميائية .. ولكن بدلا من مواجهة الحقائق الماثلة أمامه والتعامل بجدية مع مبدأ التحقيق الدولي .. قرر الهروب الى الأمام فأصدر في أواخر مايو 2025 قرارا بتشكيل ما أسماها باللجنة الوطنية للتحقيق في مزاعم إستخدام الأسلحة الكيمائية .. فيما استمر الرفض الحكومي في كافة المستويات لأي خطوة تسمح بالتدخل الدولي في التحقق والتقصي في وقائع استخدام أسلحة محرمة دوليا .
تقرير مفاجئ وصادم :-
هذا هو العنوان الذي صدرنا به هذا التقرير لأنه يلخص كل شئ ..لماذا ؟
لنرى .. لقد أشرنا أعلاه أن الفريق البرهان شكل لجنة وطنية للتحقيق في نهاية مايو 2025 .. ولخطورة الموضوع و للإهتمام الدولي الكبير كان منتظرا من اللجنة أن تصدر تقريرها في أسرع وقت ممكن وكان متوقعا أن تستعين اللجنة بخبراء من منظمة حظر الأسلحة الكيمائية وأي جهات أخرى ذات خبرة في المجال .. الشئ الذي لم يحدث قط ..!
ولكن بعد مضي عام كامل وشهرين .. ودون أي تواصل من حكومة السودان مع منظمة حظر الأسلحة الكيمائية ودون الإستجابة لدعوات المنظمة المتكررة ( رغم عضوية السودان في مجلسها التنفيذي ) فوجئت الأمانة الفنية لمنظمة حظر الأسلحة الكيمائية برسالة من بعثة السودان لدى المنظمة مرفق بها تقرير وتحمل صفة (عاجل) .. لما العجلة بعد مرور عام وشهران ..؟ وهنا عنصر المفاجأة ..فالرسالة المعنية قد وصلت للأمانة الفنية في السادس من يوليو 2026 أي أنها سبقت إنعقاد اجتماعات المجلس التنفيذي للمنظمة بيوم واحد فقط .. وقبل الدخول الى تفاصيل التقرير فقد كان التوقيت نفسه يحمل تفسيرا واحدا لا غير .. إنه محاولة لقطع الطريق على أي إتهام للسودان بعدم التعاون مع المنظمة .. أما عنصر الصدمة التى أشرنا اليها فقد جاءت كرد فعل طبيعي على محتوى التقرير الذى سلمته بعثة السودان لدى منظمة حظر الأسلحة الكيمائية ليكون ضمن أجندة الأجتماع رقم 112 للمجلس التنفيذي للمنظمة والذي انعقد في اليوم التالي مباشرة ..!
لماذا كان التقرير صادما ..؟

