كيف تتحول الهوية من وقود للنزاع إلى شريان للوحدة الوطنية؟
وصال بله
تعد الهوية إحدى أكثر المفاهيم قوة وتأثيراً في تاريخ المجتمعات البشرية فهي البوصلة التي تمنح الأفراد شعوراً بالانتماء والأمان والمشترك الذي يصوغ الوعي الجمعي غير أن هذه القوة المزدوجة كثيراً ما تقع فريسة الاستقطاب فبقدر ما يمكن للهوية أن تكون ملاذاً وجسراً للتضامن يمكن استغلالها – عند شحنها بالمظالم والتهميش – لتتحول إلى سلاح فتاك يمزق النسيج المجتمعي ويشعل الحروب الأهلية لكن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه في لحظات التحول التاريخي للمصائر الوطنية هو: كيف يمكن إعادة هندسة الهوية لتتحول من عامل تفجير وانقسام إلى شريان حيوي يغذي الوحدة الوطنية ويصونها؟ أولاً: تشريح الأزمة – كيف يصنع نزاع الهويات؟ لا تولد الهويات متنازعة بطبيعتها فالتنوع الثقافي والعرقي والديني والإقليمي هو حقيقة إنسانية وثراء حضاري وإنما يبدأ النزاع عندما تسيس هذه المكونات عبر آليتين رئيسيتين: التهميش والاحتكار: عندما تحتكر فئة ما السلطة أو الثروة بناء على انتماء هوياتي محدد وتقصى المكونات الأخرى تتحول الهوية الفرعية للمقصيين إلى الخندق الأخير للدفاع عن الوجود والكرامة سرديات الخوف والتعبئة الصفرية: يقتضي التجييش السياسي غالباً صناعة عدو داخلي حيث يصور مكسب الطرف الآخر على أنه خسارة وجودية للطرف الأول مما يحول التنوع إلى صراع صفري لا مكان فيه للمساحات المشتركة ثانياً: لحظة التحول – التمييز بين “الهوية القاتلة والهوية الجامعة كي تنطلق عملية التحول التاريخي يجب الانتقال من مفهوم الهوية المغلقة (التي تعرف الذات بنفي الآخر) إلى مفهوم الهوية المركبة والمفتوحة (التي تتسع لمتعدد التنوعات دون إغفال المشترك الوطني) إن الوحدة الوطنية الحقيقية لا تعني إشاعة التماثل القسري أو صهر الجميع في قالب واحد يمحو الخصوصيات بل تعني الانسجام والتكامل بين المتعدد الهوية الوطنية الناجحة هي مظلة متينة تشعر تحتها كل الهويات الفرعية بالأمان والاعتراف والكرامة ثالثاً: الركائز الأساسية لتحويل الهوية إلى شريان للوحدة تحويل الهوية من سبب للنزاع إلى شريان للوحدة ليس مجرد شعار عاطفي بل هو مسار عملي يتطلب إرادة سياسية ومؤسسية صلبة تقوم على أربعة أركان أساسية: دولة المواطنة المتساوية وسيادة القانون لا يمكن للهوية الوطنية أن تزدهر إلا داخل حاضنة المواطنة الدستورية عندما يصبح القانون هو المسطرة الوحيدة للحقوق والواجبات بغض النظر عن الدين أو العرق أو المنطقة تفقد الهويات الفرعية وظيفتها كأدوات للحماية أو المغالبة وتتحول إلى إثراء ثقافي لا خطر منه على الدولة إدارة التنوع كأصل وطني لا كعبء تتحول الهوية إلى شريان حياة عندما تعتمد الدولة سياسات تضمن التوزيع العادل للثروة والسلطة والتنمية المتوازنة بين الأقاليم إن الاعتراف بالخصوصيات الثقافية واللغوية وتكريمها ضمن الهوية الوطنية الجامعة يجعل كل مكون يرى نفسه جلياً في المظهر العام للدولة لا غريباً عنها بناء سردية وطنية جامعة عبر التعليم والإعلام تتشكل العقول من خلال السرد التاريخي والثقافي يقتضي التحول إعادة صياغة المناهج التعليمية والخطاب الإعلامي للتركيز على محطات الكفاح المشترك ونقاط التلاقي الحاضر والمستقبل مع تدريس تاريخ التنوع باعتباره مبعث فخر وطني لا مصدر تحيز العدالة الانتقالية وجبر الضرر إن الهويات المحملة بجراح الماضي وآلامه لا تستطيع بناء المستقبل بسهولة تتطلب عملية تحويل الهوية إطلاق مسارات جادة للعدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية وجبر الضرر وكشف الحقائق حتى تطوى صفحات المظالم دون إهمال لآلام الضحايا
إن الهوية الوطنية ليست حالة أبدية ناجزة بل هي مشروع بناء مستمر وحين تدرك المجتمعات أن التنوع هو مصدر قوة وثراء وأن استقرار الكل هو الضمانة الوحيدة لأمان الجزء تتراجع النعرات الضيقة لصالح الانتماء الأكبر وعندما تبنى الدولة على أسس العدل والمواطنة والاحترام المتبادل تتحول الهوية من حقل ألغام يتفجر عند كل أزمة إلى شريان حيوي ضخ دماء الثقة والتماسك في جسد الوطن لتصبح الخصوصيات متعددة الألوان لكن الراية التي تظللها واحدة