السودانية نيوزنعمل علي نقل الاخبار والاحداث في الساحة السياسية السودانية ودول الجوار العربي والافريقي العالمي بمهنية صحفية عالية و بوضوح وشفافية . ونعمل علي احترام حقوق النشر والتعبير وترسيخ مبدا الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان وفق المواثيق الدولية
ماذا بعد نيويورك : حضور مدني ونزع شرعية العسكر ! إرباك إماراتي وتناقض سعودي .. صمت قطري وحسم امريكي !
بقلم : محمد لطيف
يبدو جليا أن وقائع اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة المنعقدة في دورتها الثمانين بنيويورك قد تجاوزت قصة حظر دخول الفريق البرهان الذي كان مرجحا الى وقائع أخرى مهمة ولها ما بعدها .. ولعل وجود تمثيل رفيع للقوى المدنية السودانية بقيادة الدكتور عبدالله حمدوك رئيس حكومة السودان الشرعية حتى تاريخه .. يظل من ابرز الوقائع .. يليها الموقف الأمريكى غير المنفصل عن حظر البرهان إذ جاء الرد الأمريكي حادا و حاسما على الأمين العام للأمم المتحدة الذي كان يحتج على قرار الحظر بقولهم أن أي جهة لا تستطيع أن تفرض على واشنطن إستقبال (مجرم ) على اراضيها فلاذ غوتيرش بالصمت .. ثم مضت الغضبة الأمريكية الى قمة عنفها حين قال بيان خارجيتها دون مواربة ومتجاوزا مسألة «أوقفوا الحرب» الى الإفصاح عن قاعدة سياسية جديدة دقيقة العبارات صريحة المعنى أنه ( لا الجيش ولا الدعم السريع، ولا قائدا الطرفين، يمثلون الحكم الدستوري الشرعي للسودان ).. ولسبب من هذا قلنا أعلاه أن حمدوك هو آخر رئيس شرعي للسودان.. ثم خلصت الخارجية الأمريكية لرؤيتها في حل أزمة السودان في ثلاث نقاط :
هدنة بلا شروط مسبقة
حوار سياسي شامل
انتقال إلى حكومة مدنية. ثم مضت واشنطن لآخر الشوط وهي تعلن (إنها سترفع كلفة استمرار الحرب على الطرفين وشبكات دعمهما ) ..!
أردوغان والإعتراف بالأزمة : في كلمته أمام الجمعية العامة، وضع الرئيس التركي رجب طيب اردوغان السودان ضمن الأزمات التي تعكس عجز النظام الدولي عن التعامل مع الحروب .. إلى جانب فلسطين ولبنان، داعيًا إلى معالجة الصراعات عبر الوسائل السياسية والدبلوماسية. وأهمية هذا التوصيف أنه اول اعتراف تركى مباشر كما أنه جاء كاول خطاب دولة في الجمعية العامة يطلق هذا التوصيف ويضع السودان صراحة ضمن أزمات النظام الدولي المطروحة أمام الجمعية العامة .. وقبل ذلك يضع تركيا أمام حرج بالغ إذ معروف دورها السالب في دعم الحرب باعتبارها واحدة من أهم مصادر التسليح .
موقف إماراتي مربك لخصومها : الموقف الإماراتي في الجمعية العامة ربما جاء متسقا مع مواقفها المعلنة على الإقل لجهة الدعوة إلى هدنة إنسانية عاجلة وغير مشروطة (سيما وأنها عضو في الآلية الرباعية ) تقود إلى وقف دائم لإطلاق النار ثم عملية سياسية وحكومة مدنية .. أما ما يمكن أن يكون قد اربك خصوم الإمارات اصحاب سردية تورطها المباشر في حرب السودان هو دعوة المندوب الإماراتي لدى الأمم المتحدة إلى بحث حظر أسلحة على مستوى السودان كله وليس دارفور فقط .. ومعروف أن الداعمين لإستمرار الحرب هم من يتشددون في رفض أي دعوة لفرض حظر شامل على كل السودان .. ! وفي الوقت نفسه، دعت وزيرة الدولة الإمارتية لانا نسيبة إلى قرار من مجلس الأمن يفرض وقفًا إنسانيًا فوريًا، وقالت إن المسار المدني «أساسي» وإن السودان يحتاج إلى العودة إلى حكم القانون والمساءلة والعدالة ..!
لا حل عسكري في السودان : العبارة أعلاه يمكن إعتبارها العنوان الرئيسي لخطاب وزير الخارجية البريطاني في نيويورك.. بل يمكنها تعبيرا للسياسة البريطانية الرسمية لما يجري في السودان فهي أنه .. (لايوجد حل عسكري في السودان) ويضيف الوزير البريطاني مفصلا .. ( لا كمية جديدة من السلاح أو التكنولوجيا أو الدعم الخارجي يمكن أن تنهي الحرب، وأن قدرات الطائرات المسيّرة الجديدة لا تظهر من تلقاء نفسها، بل (يتم الحصول عليها وتمويلها ونقلها واستدامتها عبر شبكات دول متعددة خارج السودان ). ودعا إلى تشديد نظام العقوبات، وزيادة الضغط من أجل وقف إطلاق النار والانتقال إلى حكومة مدنية وحماية المدنيين..! أما العبارة السياسية الأوضح في الموقف البريطاني فهي (السودانيين لا يستطيعون تحمّل سنة أخرى من إراقة الدماء ) وأن المجتمع الدولي يجب ألا يكتفي بالكلمات، بل ينتقل إلى الضغط العملي من أجل وقف إطلاق النار ومسار سياسي بقيادة مدنية ..!
الموقف السعودي بين منبر جدة و شرعية المؤسسات : وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ركز في خطابه على وحدة الدولة السودانية ومؤسساتها .. وأكدت المملكة كدأبها مؤخرا على أهمية استقرار السودان وسلامة أراضيه وسلامة مؤسساته الوطنية، ودعت إلى تكثيف الجهود لإنهاء الحرب وتخفيف المعاناة الإنسانية، مع إنهاء التدخلات الخارجية التي تغذي الصراع وتطيله. كما أكدت أهمية مواصلة الحوار عبر منصة جدة للوصول إلى وقف إطلاق النار وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، ورفضت أي خطوات خارج إطار مؤسسات الدولة يمكن أن تضر بوحدة السودان ولا تعكس إرادة شعبه .. وتتبدى المفارقة بين ما ترمى اليه المملكة من تكرار الحديث عن المؤسسات وبين رؤيتها لمنبر جدة كمنصة أوحد لحل الأزمة السودانية .. ذلك أن منبر جدة هذا اول من ساوى بين الجيش والدعم السريع حين إعتبرهما طرفي صراع وسماها هكذا و خاطبهما هكذا واعتمد توقيعهما على إعلان جدة بذات التوصيف .. ليصبح أمام السعودية أحد خيارين إما التمسك بمنبر جدة والتعامل مع طرفي الصراع أو التمسك بالمؤسسات ذات الشرعية المتوهمة وبالتالي تجاوز منبر جدة الذي يفقد حياده في هكذا حال ..!
قطر .. المثير ما لم يقله الأمير : في كلمته أمام الدورة الثمانين للجمعية العامة قال أمير قطر ( بالنسبة للسودان الشقيق، فإن شعبه ما زال يعاني من أزمة إنسانية غير مسبوقة نتيجة استمرار العنف. ونحن ندعو مجدداً جميع الأطراف إلى إعلاء المصلحة الوطنية العليا والانخراط في حوار شامل يقود إلى سلام مستدام ويحفظ وحدة السودان واستقلاله وسيادته ويحقق تطلعات شعبه في الأمن والاستقرار والتنمية، ونعرب عن دعمنا للجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى تحقيق هذه الغاية .. ولعل كلمة الأمير تبدو ذات صبغة عامة ليس فيها جديد غير أن اللافت تحديداً هو استخدام تعبير (سلام مستدام) وليس مجرد هدنة أو وقف مؤقت لإطلاق النار. وهذا يجعل موقف قطر .. في هذا الخطاب، أقرب إلى تصور مسار سياسي طويل الأمد وليس مجرد ترتيب لوقف القتال.. كما أن الأمير لم يكتفِ بالدعوة إلى الحوار .. بل في الواقع تعمد ربطه مباشرة بـوحدة السودان واستقلاله وسيادته وبـتطلعات الشعب السوداني في الأمن والاستقرار والتنمية .. غير أن المثير في خطاب امير قطر لم يكن ما قاله في خطابه .. بل ما لم يقله مطلقا .. فهو لم يشر لاي دعم او مساندة لحكومة البرهان .. بل الأهم من ذلك إنه تجاهل تماما أي اشارة الى الأزمة الناشبة في موضوع السماح للبرهان بحضور اعمال الجمعية العامة ..!
أخيرا .. تطابق الرؤى و إعادة تعريف الشرعية : أشرنا في بداية هذا التحليل الى أن الدكتور حمدوك الموجود حاليا في نيويورك يمثل آخر سلطة شرعية في السودان .. ثم عرجنا الى تعريف أمريكى جديد للشرعية في السودان ..وبإختصار فقد نزعت واشنطن الشرعية من حملة السلاح .. وإذا قرأنا تحركات حمدوك ووفده في أروقة الجمعية العامة سنجده يتحرك بثلاثة رسائل لا تنفصل وهي ..لا حل عسكري ووقفف إطلاق نار إنساني غير مشروط ثم توحيد مسار سياسي تقوده الأمم المتحدة .. ولن تجد كبير عناء لإكتشاف تشابه إن لم يكن تطابق الموقف الأمريكي وموقف القوة المدنية ..ماذا يعني هذا .. ؟ يعني أن المجتمع الدولي قد أدرك أخيرا أن ما تطرحه القوى المدنية السودانية هو السبيل الأقرب والأصوب لتحقيق تطلعات الشعب السوداني في الأمن والسلام والإستقرار .