الأحد, أغسطس 31, 2025
الرئيسيةمقالاتمحمد بدوي يكتب: بابنوسة ... فارعة الأبنوس الاستوائية، أو المدينة الخالية من...

محمد بدوي يكتب: بابنوسة … فارعة الأبنوس الاستوائية، أو المدينة الخالية من السكان!

محمد بدوي يكتب: بابنوسة … فارعة الأبنوس الاستوائية، أو المدينة الخالية من السكان!

بابنوسة، مدينة تقع على بعد حوالي 679 كيلومتراً من الخرطوم. إداريًا، هي إحدى المحليات ضمن ولاية غرب كردفان، وتعتبر من المدن التي تنتمي إلى الشريط الاستوائي، حيث يشير اسمها لغويًا إلى انتشار أشجار الأبنوس. يقدر عدد سكانها بـ 50 ألف نسمة، يسكنون في حوالي 24 ضاحية أو حي في المدينة.

حفز موقع بابنوسة وطبيعة علاقات الإنتاج على تأسيس مصنع الألبان الذي أُفتتح في العام 1960، برعاية المارشال جوزيف تيتو، رئيس يوغسلافيا الاشتراكية، في عهد الرئيس الأسبق الجنرال إبراهيم عبود. كان هذا المصنع الأول من نوعه في إفريقيا والشرق الأوسط، مصممًا لإنتاج اللبن المجفف قبل أن يتعرض للإغلاق في العام 1990 من قبل حكومة الإسلاميين السودانيين، وهو مصير مشابه لعديد من المشاريع. كما كانت المدينة مقرًا لشركة شيفرون في الثمانينات خلال بدء عمليات استكشاف النفط، بينما كان المصفى في منطقة أبوجابرة التي تعتبر إحدى إدارياتها.

تعتبر بابنوسة المحطة الثانية لسكك حديد السودان بعد محطة رئاسة السكة الحديد في مدينة عطبرة، بولاية نهر النيل، حيث تربط شمال البلاد عبر الخط القادم من الشرق والممتد نحو الغرب والمتفرع نحو الجنوب. يمكن تلخيص الوضع في عبارة تُذكر في تلغراف من ناظر محطة بابنوسة إلى رئاسة السكة حديد في عطبرة: “لم يعد أحد بالمدينة، أوقف القطار”.

سياسيًا، تعتبر بابنوسة رمزًا للاعتصامات السلمية. ففي العام 2014، شهدت المدينة اعتصامًا استمر لثلاثة أشهر، مطالبًا بحزمة من الخدمات. لقد أدى استخراج النفط إلى ظهور أمراض مزمنة وتدهور في البيئة والتعليم وفرص العمل في ولاية تحتضن الثروة الحيوانية وحقول النفط والصمغ العربي وغيرها. حفز هذا الاعتصام قيام اعتصام آخر في مدينة لقاوة “لقاوة حلاوة” في نفس العام بمطالب مشابهة، لكنه استمر لفترة أقصر (حوالي شهر). ومع ذلك، استطاعت الرقابة القبلية على الصحف أن تحد من انتشار أخبار الحدثين، حيث واجهت الصحف ورؤساء التحرير بلاغات جنائية، من أبرزها ضد صحيفة الميدان ورئيس تحريرها آنذاك، الأستاذة مديحة عبدالله.

اقتصاديًا، اكتسبت بابنوسة أهمية كبيرة نتيجة الأوضاع السياسية والعسكرية الناجمة عن الحرب، فكانت محطة تجارية هامة تربط الشريط الحدودي الشمالي والجنوبي خلال فترة الصراع بين الخرطوم والحركة الشعبية لتحرير السودان. عسكريًا، أهلها موقعها لتكون مقرًا للفرقة العسكرية (22) التابعة للجيش.

منذ الأسبوع الأخير من يناير 2024، وبالتزامن مع بدء الهجوم عليها من قبل الدعم السريع، بدأ سكانها بالخروج من المدينة بحثًا عن الأمان. كان الجيش يستهدف أي مكان محتمل لتواجد الدعم السريع، بما في ذلك الأحياء المدنية. بينما كان الدعم السريع يعرض المدنيين لانتهاكات لإجبارهم على مغادرة المدينة، ووصم كل من أراد البقاء بالمتعاون. ترتب على نشاط الطرفين سلسلة من الانتهاكات التي طالت المدنيين، مما أدى إلى أن تصبح ضواحيها الـ 24 خالية من السكان، حيث تحولوا إلى نازحين، فيما لجأ عدد أقل إلى دول الجوار عبر الحدود مع جنوب السودان.

النزوح المر أصبح بوصلة للفارين من جحيم الحرب التي عاشوها لمدة خمسة عقود، حيث شهدوا آثارها خلال فترات النزاع السياسي بين الخرطوم وحركتي الأنانيا 1 و2، ثم مع الحركة الشعبية لتحرير السودان. انطلق المدنيون نحو مدن وقرى غرب كردفان، مثل المجلد، والدبب، وستيت، وكجيرة، وكانت مدينة الفولة وضواحيها هي المحطة الأولى. لكن بعد الهجوم الذي شنته قوات الدعم السريع على الفولة، انتقل البعض نحو مدينة النهود في رحلة ثالثة. لم تكن النهود سوى فترة أمان قصيرة، إذ انتقلوا بعدها نحو الأبيض، عاصمة شمال كردفان، في الرحلة الرابعة؛ وكأنهم يكررون تجارب النزوح الخاصة بنازحي معسكرات غرب دارفور في الفترة بين 2023 و2023. (To be revised)

تركوا كغيرهم كل ممتلكاتهم وذكرياتهم، وحملوا ما خف وزنه. المدينة تعشق كرة القدم كواحدة من الرياضات، حيث يزيد عدد الأندية عن 25 ناديًا في الدرجات الثلاث: الأولى، الثانية، والثالثة، فضلًا عن احتضانها لأول اتحاد محلي لكرة القدم في غرب كردفان.

لا يزال مقر الفرقة العسكرية (22) تحت سيطرة الجيش، مع استمرار الهجمات عليها من قبل قوات الدعم السريع. جاء صمود الفرقة 22 ردًا على الهجمات بقصف وزرع الألغام الأرضية حولها، حيث تمثل بابنوسة حالة تحول المساكن إلى قواعد عسكرية، مما يطرح سؤال جدوى الحرب وماهيتها. وفي ذات الوقت، تثور بقوة ضرورة وقف الحرب، نظرًا لأهمية روابط الدم، إذ تجعل المتقاتلين في الطرفين أخوة أو أبناء عم.

أخيرًا، تمثل بابنوسة أحد النماذج للهدر الإنساني المرتبط بالسياسات العسكرية والسياسية والتنموية في سجل ما بعد الاستقلال، وتعد حالة عالمية لمدينة خالية من المدنيين الذين أجبرهم القتال على الفرار خلال حرب أبريل 2023، في ظل عرقلة وصول المساعدات الإنسانية.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات