أهداني الاخ الوراق والشاعر الأديب محمد مصطفي الكردفاني نسخة من ديوانه الاول الذي يحمل عنوان ( الحب في زمن تسوما ) الصادر من مركز وميض للنشر بالجيزة بجمهورية مصر العربية يتكون من مائة وثلاثون صفحة او تزيد تصدر اهدائة الي الأستاذة مها عبدالهادي زوجته فهي لم تكن زوجةً عابرة في سيرة الكردفاني بل كانت عمودا راكزا للبيت حين مالت الحياة وكتفًا صلبًا حين اشتد الحمل صبرت على قسوة الأيام وشاركت زوجها شظف العيش دون شكوى وحوّلت التعب إلى أمل والحرمان إلى دافع
أنجبت أطفالًا ربّتهم بالقلب قبل اليد فكبروا علمًا وأخلاقًا وكان منهم الطبيب والمهندس لا لأن الطريق كان سهلًا بل لأن خلفهم أمًا عظيمة آمنت أن التعب لا يضيع
هي امرأة من طينة الصابرين كافحت في صمت وبنت مستقبلًا لم ترفعه على صوتها بل على دعائها وعرقها وصدقها. سلامٌ عليها وعلى كل أمٍ تشبهها أولئك اللواتي يصنعن المجد من داخل البيوت دون أن يطلبن تصفيق فهي التي عاشت معه ورافقته في مسيرته الحيواتية وصنعت من الكردفاني أيقونة اجتماعية في امكدادة والسودان عامة ولولاها لخبأ توهج الكردفاني و تبخرت وتلاشت أنواره بين الوري ومها هي التي جلبت له المحبة والهوي من حيث يدري ولايدري وخيرا ان جعل إهدائها في صدر قائمة احبابة واصدقائه
فلله درك يامها وبخ بخ لك بهذا النجاح الباذخ وقديما قيل نعم الاله علي العباد كثيرة وأجلّهن نجابة الأبناء لك التحية والتجلة مهما هي ابنة العقيد شرطة عبد الهادي محمود وجدها عبدالجبار قمر الدين احد إمراء المهدية الكبار
اما بقية الإهداء فشمل الأصدقاء والأحبة الذي شكلوا جزءً من المشهد الثقافي في امكدادة فالمدينة شكلت تاريخها الحديث رموز متعددة يتصدر الكردفاني قائمتهم
الديوان يحمل أثر تجربة ثقافية واضحة نابعة من علاقة الشاعر الطويلة بالكتاب والقراءة. فالكردفاني المعروف بدوره الثقافي في مدينة امكدادة وبمكتبته التي شكّلت لسنوات فضاءً مفتوحًا لتداول المعرفة يكتب شعره من موقع القارئ الواعي قبل الشاعر دون أن يتحوّل ذلك إلى استعراض ثقافي أو إحالات مباشرة. هذا العمق المعرفي يتسرّب إلى النص في صورة توازن أسلوبي ونضج في الرؤية
يدوزن الديوان إيقاعات الحياة اليومية ويتناول حياة القرية وعذاباتها ويتحدث عن مهرجانات لقاء الحسناوات في مورد الزحام في بئر تسومة وهو يسترق النظر الي الرحط المتدلي من الغواني الائي وردن البئر للسقيا ولسان حالهن كبنتي شعيب في بئر مدين اللتان اشتكا الي سيدنا موسي الذي قال لهن ماخطبكما ( قالتا لا نسقي حتي يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير فسقي لهما ثم تولي الظل وقال ربي إني لما انزلت الي من خير فقير)
الكردفاني نقل هذا المشهد في صدر الديوان وسافر بنا وبخياله الي بئر تسومة التي كانت شديدة الزحام وحقا المورد العذب كثير الزحام
أثناء تواصلي بالأخ احمد الكردفاني ( بركات) وأثناء الحديث حكي لي ان جده لأبيه كان في بئر تسومة يسقي أبقاره وفجاة ظهر لهم خمسة فرسان علي خيولهم وهم الأمير مصطفي جلغام ورهط من مرافقيه ظهر الأمير بطلته الوسيمة وكان شديد الاناقة والهندام فسقوا خيولهم ثم غادروا البئر وفي تلك الليلة عاد محمد زايد ليجد زوجته وضعت له طفلا فأطلق عليه اسم مصطفي حبا في الأمير مصطفي وأناقته ووجاهته
إن الحب في تسوما ديوان ينهض على فكرة الوفاء وفاء للمكان وللرفقة ولزمن تشكلت فيه القيم الإنسانية خارج منطق الاستهلاك والسرعة. وهو في هذا السياق يقدّم تجربة شعرية تتجاوز البوح الذاتي لتلامس المشتركات الإنسانية في امكدادة وتمنح القارئ فرصة للتأمل في علاقته بالمكان وعبقريته والذاكرة وأعماقها
الحب في تسوما نقرأ فيه الحب كما عرفناه نحن حبا ممزوجا بالصداقة ومعطونا بالزمالة ومحمولا على أكتاف الرفقة الابدية
هو حب لا ينعزل عن الناس ولا يتعالَى على اليومي بل ينحاز للبساطة للوجوه التي ألفناها للأماكن التي كبرت معنا الكردفاني يكتب وكأنه يخاطبنا واحدا واحدا يستعيد أسماءنا دون أن يذكرها ويوقظ فينا ذكرياتٍ كنا نظنها نامت إلى الأبد او انتحرت معها أشواقها
هذا الديوان يعيد لنا صورة الكردفاني كما عرفناه قارئا ا نهما صديقًا كريما وزميلا لا يبخل بالوقت ولا بالفكرة
قصائده تشبه جلوسنا القديم حول مكتبته العامرة والنقاشات التي لا تنتهي والضحكات التي كانت تسبق الأسئلة الكبيرة عن الحياة لذلك نشعر ونحن نقرأ أننا لسنا غرباء عن النص بل شركاء فيه شهودا على زمنٍ جميل شديد الاخضرار والنداوة وأبناء ام لذاكرة جماعية
الحب في تسوما هو رسالة محبة من شاعر إلى رفقاء دربه الي عمر طويشة الي محمد الغالب الي بخيت عبيد الي عبدالجبار عبدالله الي ابكر طويشة الي هاشم عبد الله حسن الي بابكر ود الرضي الي محمد موسي ادم الي صالح حمد الي محمد علي عبدالله الي راشد جمعة الي صالح ابوبكر الي صالح طويشة الي جلال اسماعيل والي حسين عبدالله الصديق الي الزبير عبدالله الي ابراهيم محمد احمد (تلة ) الي الطيب احمد ادم وكمال بشير وفاروق محمد احمد الصديق ومحمد عبدالله موسي ويوسف تبين وعبدالقادر عبدالله وأبوالقاسم عبدالحكم وشاهين رحمة الله ومأمون ابوشوك ومصباح نور الدين وصلاح علي احمد ونصر الدين جمعة والي آخر رواد المكتبة والمنتدي
ديوان يذكرنا بأن بعض الجبال لا تُرى من بعيد فقط بل تُسكن في القلب وأن بعض الصداقات مثل تسوما تظل واقفة فينا مهما ابتعدت الطرق وتغيرت الأيام فالديوان يتكئ على علاقة عضوية بين النص والمكان وضوضاء المدن ومغازلة النجوم وأحاجي وملهمات وقصيدة اعتذار حملت معها أعماقا مسافرة تبحث عن قرار ومستقر في هذا الزمن القاسي والناقص المروءة والكبرياء ( زمن لايخاف الله ) ويعيد مساءلة مفهوم الحب من خلال الذاكرة والرفقة والانتماء لا يقدّم الديوان الحب باعتباره تجربة فردية معزولة بل ينسجه داخل سياق مكاني واجتماعي وثقافي يجعل من القصيدة امتدادا لسيرة مدينة ومرآة لزمنٍ تشكل فيه الوعي الجمعي عبر الصداقة والمعرفة والمشاركة وجسدت هذا المعني قصيدة الرصاصة تمزق الامنية وتدمر المستقبل وتحرق الامال وتغتال الطموحات
يشكّل جبل تسوما الواقع جنوب المدينة المركز الرمزي للنص حيث يتحوّل من معلم جغرافي إلى بنية دلالية حاملة للمعنى. فالجبل في هذا الديوان علامة على الثبات والرسوخ في مقابل تحولات الزمن وتحدياته بينما تظهر القرية الوادعة التي تقع عند سفحه بوصفها فضاء أوليا للتجربة الإنسانية الطفولية ولهذه البدايات والتشكل العاطفي والمعرفي ومن هذا التفاعل بين المكان والذاكرة تتولد قصائد مشبعة بالحنين دون أن تقع في أسر النوستالجيا السطحية واذكر ان البروفيسور احمد الطيب ضمن حفرياته عن امكدادة ان هناك جبال مقدسة في امكدادة تمثل حقبة من حقبة الفراعنة منها جبل تسومة وجبل بوباي وجبل ابو مندرة في مدينة بروش وجبل آخر اسمه (كركور ام دوانة ) بالقرب من قرية الحجيرات ويعتقد ان هذا الكركور هو احدي معابد الفراعنة في عصر من العصور
اما على المستوى الجمالي يعتمد الشاعر لغة شفافة تميل إلى الاقتصاد والتكثيف وتوازن بين الصورة الشعرية والإيقاع الداخلي للنص لا يركن الكردفاني إلى الزخرفة البلاغية بل إلى بناء مشهدي هادئ تتراكم فيه التفاصيل الصغيرة لتنتج أثرا وجدانيا عميقا وتكشف القصائد عن حساسية شعرية ترى في البساطة قيمة جمالية وفي الصدق التعبيري معيارا
تضع دار النشر هذا العمل بين يدي القارئ بوصفه إضافة نوعية للمشهد الشعري لما يحمله من حساسية جمالية ورؤية إنسانية وقدرة على تحويل التجربة الشخصية إلى نص قابل للتداول والتأويل
الحب في تسوما ديوان يؤكد أن الشعر حين يتكئ على الذاكرة بوعي يصبح فعل يحفظ المعني ويؤرخ للمكان وشخوصه ومساجلاته

