نقلا عن الأهرام
تبدو حالة الحيرة التي أصابت “البعض” تجاه موقف مصر من الأزمة والصراع في السودان غريبة، فموقف القاهرة معروف وواضح ولم يتغير، وهو الحفاظ على وحدة السودان ودعم الدولة الوطنية ومؤسساتها وفي مقدمتها الجيش السوداني، ورفض أي محاولة لتقسيم البلاد أو فرض حكومة موازية أو تمكين ميليشيا مسلحة من السيطرة على مقاليد الحكم، ومع ذلك يخرج علينا من يتحدث عن وجود تنظيم الإخوان “الكيزان” إلى جانب الجيش، وكأن خريطة الفاعلين في السودان غائبة عن مصر ومؤسسات صنع القرار ويحتاجون إلى من يشرحها لهم!.
الدول لا تبني سياساتها على مشاعر الحب والكراهية، وإنما تنطلق من رؤية واضحة تضع مصالحها الاستراتيجية وأمنها القومي فوق أي اعتبار آخر. ومصر لا تختار من يحكم على حدودها وتحترم اختيارات الشعوب، لكنها تعرف كيف تتعامل مع الواقع، وكيف تمنع تحوله إلى تهديد مباشر للدولة والمصالح المصرية.
ولنا في الحالة الفلسطينية نموذج، فحين فازت حماس بالانتخابات التشريعية عام 2006، ثم سيطرت بقوة السلاح على قطاع غزة في يونيو 2007. رفضت مصر ما جرى وتمسكت بالسلطة الوطنية الفلسطينية ومنظمة التحرير، ولم تقبل بأن يكون الانقسام واقع نهائي يفصل غزة عن الضفة الغربية ويهدر ما تبقى من القضية الفلسطينية، لكنها في الوقت نفسه لم تتصرف وكأن حماس غير موجودة، ولم تغلق أبوابها أمام القوة التي أصبحت تسيطر فعليا على حدودها الشرقية.
ثوابت السياسة المصرية التي رفضت انقلاب حماس على فتح، هي نفسها التي دفعت القاهرة إلى التعامل معها بصورة عملية وبراجماتية رغم كونها فرع من أفرع تنظيم الإخوان المدرج على قائمة الإرهاب المصرية، فأمن سيناء والحدود ووجود طرف يمكن التباحث والتوافق معه على ضبط الحدود والمعابر وتنظيم دخول وخروج البشر والأهم المشاركة في منع تهريب الأسلحة والعناصر الإرهابية. وعليه حرصت مصر على التعامل بهدوء مع واقع غزة تحت سلطة حماس، بالتوازي مع جهودها لتحقيق المصالحة الفلسطينية.
وتطبق مصر النهج نفسه في ليبيا، فقد ساندت الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير حفتر لمواجهة التنظيمات الإرهابية وحماية وضبط الحدود، لكنها لم تجعل الدعم مبرر لإغلاق قنواتها مع مكونات شمال غرب ليبيا، بل أعادت الانفتاح على طرابلس وتوسعت في التواصل مع القوى والمؤسسات، لأن الهدف المصري كان ولا يزال الحفاظ على ليبيا موحدة، وتوحيد مؤسساتها العسكرية والأمنية والاقتصادية، ودعم مسار ليبي – ليبي يقود إلى الانتخابات وينهي وجود الميليشيات والمرتزقة والقوات الأجنبية.
نفس الأمر ينطبق على السودان، فمصر تعرف أن عناصر من الإخوان “الكيزان” تدعم وتساند الجيش، لكنها تعرف أيضًا أن الجيش ليس تنظيم الإخوان، وأن كل من يدعمه ليس من الكيزان، وأن الدولة لا يمكن اختزالها في تيار مهما كان حجم نفوذه داخل بعض مؤسساتها.
ومن السذاجة أن يدعي أحد أن تنظيم حكم السودان ثلاثين عاما، وتغلغل في أجهزة الدولة وبنى شبكات مصالح وولاءات واسعة، قد انتهى بمجرد سقوط البشير في 2019. فالكيزان لم يختفوا ولن يتبخروا بقرار، وعملية تفكيك نفوذهم تحتاج إلى سنوات، لكن البديل عن ذلك لم يكن ولن يكون إسقاط الدولة السودانية أو تفكيك جيشها أو تسليم البلاد إلى ميليشيا الدعم السريع.
يدرك صانع القرار المصري أن إصلاح المؤسسة العسكرية وإبعاد الكيزان عنها ممكن، لكن إعادة بناء السودان بعد انهيار الجيش قد تصبح مستحيلة. كما لا يمكن تقديم ميلشيا الدعم السريع باعتبارها قوة مدنية أو ديمقراطية جاءت لتخليص السودان من الكيزان، كما تسوق لذلك بعض الأطراف الإقليمية حتى لو كان ذلك عبر البوابة الإسرائيلية!. فهذه الميليشيا تعود جذورها إلى الجنجويد، ونمت واكتسبت قوتها وشرعيتها في عهد البشير نفسه، وعليه فإن تصوير الحرب باعتبارها مواجهة بين جيش كيزان وقوة مناهضة لهم ليس سوى تزييف متعمد للمشهد.
المثير أن بعض الأطراف الإقليمية التي تضع وجود الإسلاميين داخل معسكر الجيش السوداني كسبب لرفض دعمه، تعاملت ببراجماتية كاملة مع الواقع الجديد في سوريا، فالسلطة التي تشكلت بعد سقوط نظام البعث قادتها هيئة تحرير الشام، الخارجة من جبهة النصرة، الفرع السابق لتنظيم القاعدة، كما جرى دمج فصائل ومقاتلين أجانب أصحاب ماضي دموي في داعش داخل المؤسسات العسكرية الجديدة، ومع ذلك لم تطالب هذه الأطراف بإسقاط الدولة السورية أو تفكيك جيشها الجديد.
لماذا تصبح البراجماتية مقبولة في دمشق ومرفوضة في الخرطوم؟ ولماذا يكون احتواء قوى ذات ماضي مرتبط بالقاعدة عمل واقعي يحمي الدولة السورية، بينما يصبح دعم الجيش السوداني انحياز للإخوان لمجرد أن عناصر منهم تقف إلى جانبه؟ وهل المطلوب من القاهرة أن تسمح بسقوط السودان كله حتى تثبت أنها تختلف مع الكيزان؟!.