السبت, فبراير 21, 2026
الرئيسيةمقالاتمدينة المرايا المكسورة – صناعة الصورة (قراءة في وطن بيتعلّم يشوف الحقيقة)

مدينة المرايا المكسورة – صناعة الصورة (قراءة في وطن بيتعلّم يشوف الحقيقة)

بقلم مازن أبو الحسن

في البداية، كانت المدينة بتحب صورتها، والضحكة بتملأ ضفاف النيل
الجامعات مليانة أحلام، والقرى عيونها في السماء مستنية المطر يبلّ الريق والأرض

في يوم غريب، اتخذت السلطة قرار مريب…
ما قفلت الشبابيك، لكنها حوّلتها إلى مرايا

قالوا:
“ضرورة عشان نحمي الصورة… والانعكاس أصدق من الحقيقة.”

ومن يومها، انعمت العين عن الشارع
صفوف العيش، انقطاع الكهرباء، القرى الأكلتها النار…

كلو اتدارى ورا بريق المرايا..
وبقى الناس يشوفوا انعكاسهم المزيّف

لكن المرايا ما جات من العدم
في زول صنعها، وتاني لمّعها، وثالث أقسم على قدسيتها،
وفي زول ببيعها للناس كأنها الحقيقة الوحيدة

وأصبح الشك فيها… تهمة

المزارع وقف قدام أرضه الناشفة عاين للمرايا وقال:
“الخلل فيني.”
وما شاف السياسات العطّلت الموية والمشاريع الماتت قبل ما تصل الأطراف

النازح شاف صورتو المتعبة وقال: “ده قدري.”
وما شاف اليد الأشعلت النار وحوّلت الدم لخطاب

الشاب المتقدم لوظيفة رجع للمرايا يحاسب نفسو،
وما شاف الاقتصاد المنهك والمحاصصات السدّت الطريق

أما الحاكم…
فمرايتو كانت الأكبر.
كل يوم صورته بتكبر، والوطن خلفه يتضاءل،
حتى بقت البلاد خلفية لبريقه

ومرت السنوات،
واتعوّدنا نلوم أنفسنا
كل أزمة “عيب في الناس”،
وكل فشل “الناس ما صبرت.”

وبقينا نعتذر عن جريمة ما ارتكبناها

وجع الوعي كان أول شرخ.
أسئلة بسيطة… لكنها تقيلة:

-شافع في معسكر نزوح سأل أمو:”مالو بيتنا بعيد من الشارع؟”

-طالب في جامعة خاوية سأل أستاذو:”شهادتنا دي بتعشينا؟”

-أم شهيد سألت في صمت: “المستفيد منو؟”

الأسئلة دي ما كانت في المناهج، ولا في خطب الجمعة، ولا في نشرات الأخبار،
لكن ظهرت كتشققات على سطح المرايا

وأصبحت الحقيقة تهمس…
والصورة تصرخ.

وفجأة سقطت أول مراية
كان صوت الزجاج أعلى من الشعارات
اتناثر كنجوم صغيرة،
وكل قطعة عكست وجه مختلف للحقيقة

ما سقطت الدولة…
لكن الضوء دخل

كان الضوء ساطع
فضح وجوه السلطة،
وكشف خوفنا وتواطؤنا مع الصورة المريحة

جاء جيل تعب من “الغتغتة”
ومدّ يده للزجاج المكسور،
واكتشف أن النقد ما خيانة،
وأن الاعتراف بالمرض أول طريق العافية

وفتح باب البداية
الصراع ما كان بين قبائل،
كان بين مشروع دولة عادلة…
وسلطة محتكرة

الوطن ما بطيب بتلميع صورتو،
بيطيب لما يواجه حقيقتو.

ده رابع رمضان…
والحريق ما زال بكتب اسمو على الجدران،
والدخان يعلّق صلاتو في الشبابيك

الصيام امتحان للضمير،
والوطن امتحان للوعي

الحريق ما زال مستمر،
والضوء بحتاج فتحة صغيرة في الجدار

نافذة واحدة صادقة
ممكن تنقذ مدينة كاملة من وهمها

وكل عام…
والوطن يستحق الحياة

مازن أبو الحسن
فيلادلفيا – الولايات المتحدة
20 فبراير 2026

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات