كتب:حسين سعد
لم يكن مشروع الجزيرة يومًا مجرد مساحة خضراء تمتد بين النيلين، بل كان ـ ولا يزال ـ ساحةً لصراع عميق حول معنى الدولة، ومن يملك القرار، ولصالح من تُصاغ القوانين. فمنذ تأسيسه، ظل المشروع مرآةً تعكس طبيعة السلطة في السودان: حين تكون عادلة يزدهر، وحين تنحاز للنخب ينهار، وعلي مدي عقود كان مشروع الجزيرة… ذاكرة وطن واقتصاد يضم أكثر من 130 ألف مزارع، ويعيل بصورة مباشرة، وغير مباشرة ملايين السودانيين، و شكّل العمود الفقري للاقتصاد الزراعي، ومصدرًا رئيسيًا للعملة الصعبة، ومساحة إستقرار اجتماعي نادرة في الريف السوداني، لكن هذا المشروع العملاق ظل رهينة لقوانين متعاقبة، كان أبرزها قانون 2005، الذي فتح الباب واسعًا أمام تفكيك البنية المؤسسية للمشروع، وإضعاف دور الدولة، وتحميل المزارعين أعباءً تفوق طاقتهم. ومن هنا، جاء مطلب إلغاء ذلك القانون وصياغة بديل عادل، كأحد المطالب المركزية لمزارعي الجزيرة، قبل الثورة وبعدها، في أعقاب ثورة ديسمبر، إعتقد مزارعو الجزيرة أن لحظة تاريخية قد حانت لاستعادة المشروع من قبضة التشريعات المفروضة، وبناء قانون جديد يعبر عنهم ويحمي أرضهم وحقوقهم. لكن ما حدث لاحقًا، مع مقترح قانون مشروع الجزيرة لسنة 2021، كشف أن الثورة قد تغيّر الوجوه، بينما تظل الآليات القديمة قادرة على إعادة إنتاج نفسها، هذه الحلقة الأولى تفتح ملف القانون من جذوره: كيف بدأ؟ وفي أي سياق وُلد؟ ولماذا أثار كل هذا الجدل؟
أمل واسع، ومسار ضيق:
بعد الثورة، وعقب تشكيل الحكومة الانتقالية، وتعيين مجلس إدارة جديد للمشروع، بدا أن هناك فرصة حقيقية لتصحيح المسار، غير أن مقترح قانون 2021، كما يروي الأستاذ الصديق عبد الهادي أبو عشرة – الرئيس السابق لمجلس الإدارة – لم يأتِ نتيجة نقاش واسع، ولا حوار قاعدي، ولا عملية تشاركية حقيقية ، على العكس، بدأ الأمر عبر لجنة صياغة محدودة التمثيل، لم تعكس التنوّع الحقيقي لأصحاب المصلحة، لا من حيث المزارعين، ولا النساء، والعمال الزراعين ولا الموظفين، ولا حتى الخبراء المستقلين، وهو ما وضع المشروع، منذ لحظته الأولى، في مسار تصادمي مع روح الثورة نفسها
القانون كأداة سلطة… لا كعقد إجتماعي في التجارب الديمقراطية، تُصاغ القوانين الكبرى بوصفها عقدًا إجتماعيًا بين الدولة والمجتمع. لكن في حالة مشروع الجزيرة، جرى التعامل مع القانون كأنه إجراء إداري، يمكن تمريره بورش محدودة، واجتماعات مغلقة، وتوقيعات فوقية، هذا الخلل لم يكن تقنيًا فقط، بل سياسيًا وحقوقيًا ب،متياز. فالقانون المقترح، لم يضمن مشاركة فعلية للمزارعين، ولم يُخضع لنقاش علني واسع، ولم يضع حماية الأرض وحقوق الملكية في صدارة أولوياته، وتجاهل بشكل شبه كامل قضايا النساء العاملات في المشروع، وهنا، بدأت الأسئلة الصعبة تفرض نفسها؟
هل تغيّرت الدولة فعلًا بعد الثورة؟ أم أن القوانين ما زالت تُكتب بنفس العقلية القديمة، ولكن بلغة جديدة؟
بداية الانقسام داخل مجلس إدارة المشروع نفسه، لم يكن التوافق حاضرًا. فبحسب ما يورده الكتاب، برزت خلافات واضحة حول طريقة إعداد المسودة، وشرعية تمريرها، ومسؤولية المجلس الأخلاقية والسياسية تجاه المزارعين، هذه الخلافات ستتطور لاحقًا إلى مواجهة حقيقية، كادت أن تنتهي بتمرير القانون إلى مجلس الوزراء، لولا تدخلات متأخرة أوقفت المسار مؤقتًا، لكن تلك قصة الحلقات القادمة، ما الذي تكشفه هذه البداية؟ تكشف الحلقة الأولى أن أزمة قانون مشروع الجزيرة 2021 ليست حادثة معزولة، بل نموذج مكثف لأزمة الحكم الانتقالي كله.
إبعاد مقصود:
يقول الأستاذ صديق عبد الهادي في مقدمة كتابه : رأيت من الضروري بذل هذا الكتيب للقراء وذلك لأهمية الموضوع الذي يتصدى له. وذلك هو مقترح قانون مشروع الجزيرة الذي عرف بمقترح قانون 2021، والذي لم تتم إجازته، بل ولم يصل إلى طاولة التداول في مجلس الوزراء!. كان لابد من وضع الحقائق بخصوصه أمام الناس وخاصةً أهل المصلحة في مشروع الجزيرة، الذين من الممكن القول وباطمئنان بأنه قد تمَّ إبعادهم من المشاركة في الحوار حوله على أرضية حجج واهية وضعيفة صاغتها عقلية أقرب للاكاديمية منها لحقيقة عقلية كان من الحري بها ان تضع في الإعتبار أنها تتعامل مع قضية بهذا الحجم وبهذه الأهمية بل وبهذا الوزن. أي وضعها لقانون أهم مشروع في البلاد، وهو يمثل عظم ظهر القطاع الزراعي والسند الأعظم للإقتصاد الوطني، أي مشروع الجزيرة. إن صدور هذا الكتيب ونشره وجعله متاحاً لا يعني بأي حال من الأحوال العرض لتجربة العمل في مجلس إدارة مشروع الجزيرة، لا أبداً! فذلك مقامٌ آخرٌ له مقالٌ آخرٌ، بالقطع سيجيئ زمن وضعه بين الأيدي أيضاً، ولكن بعد تمحيصٍ وتأني لازمين. فهذا الكتيب إنما تمَّ بذله امام الناس لتحقيق غرضين، الأول هو كسر أحد أسوأ التقاليد التي وسمت علاقة مجلس الإدارة بأهل المشروع. وذلك التقليد يتمثل في الإنغلاق والعزلة المضروبان حول ما يقوم به المجلس وعدم معرفة الناس به. وهو تقليدٌ ترسّخ لاكثر من مئة عام، أي منذ أن تأسس مشروع الجزيرة. فالكتيب يعرض لبعض تفاصيل تداول أعضاء المجلس حول مقترح القانون، وهذا أمرٌ جديد. أما الغرض الثاني فهو محاولة إلقاء القليل من الضوء لأجل الوقوف على بعض الأسباب وراء التعثر في مسيرة التغيير الذي كانت تنشده ثورة ديسمبر 2018، ومن ثمَ الإقتراب من فهمٍ ولو يسير، للكيفية التي كان يتم بها التراجع عن تحقيق ما بشرتْ به الثورة. ذلك التراجع الذي كانت تقوم به هيئات وأجسام جاءت بها الثورة نفسها!، حيث كان من المفترض أن تكون، أي تلك الهيئات والأجسام ،ذخ راً للثورة وليس خصماً عليها.
ويضيف صديق عبد الهادي :إن مقترح قانون 2021 لا يمثل إرادة المزارعين ولا العاملين في المشروع، فبذلك يكون قد فقد أهم مقومات تبنيه أو إعتماده، بل وصلاحيته، وذلك هو ما يوضحه هذا الكتيب، الذي كان من الضروري وضعه بين أيدي أصحاب المصلحة. عليه تبقى المهمة قائمة، وهي أن يسعى الناس في مشروع الجزيرة إلى وضع مقترح بديل يضمن مشاركة الجميع من مزارعين وعاملين ومهتمين، ولأجل أن يكون بالفعل هناك قانون يمثل تطلعات وتوقعات المنتجين.
لم تكن هذه هي المرة الأولى التي أكتب فيها عن موضوع ومقترح قانون مشروع الجزيرة 2021، فلقد تطرقت عدة مرات لذات الموضوع ومن جوانب مختلفة، إذا كان من جانب تعامل اللجنة المكلفة أثناء سير عملها أو من جانب محتوى المقترح الذي توصلت إليه اللجنة، أو من جانب تعاطي مجلس الإدارة مع اللجنة من قبل وبعد الإنتهاء من صياغتها لمقترح القانون.
الخاتمة من المحرر: ثورة بلا أدوات تشاركية، وسلطة انتقالية لم تحسم علاقتها بالجماهير، وقوانين تُصاغ باسم الإصلاح، بينما تُدار بعقلية الوصاية، وفي الحلقة القادمة، نذهب خطوة أعمق، ونفكك كيف شُكّلت لجنة صياغة القانون؟ ومن مثّل المزارعين؟ ومن تم تغييبهم عمدًا؟ في الحلقة الثانية نتابع كيف تم تشكيل لجنة صياغة القانون، ومن مثّل المزارعين ، ومن غيّبهم؟ وأين الخلل البنيوي في طريقة التشكيل؟ وماذا يعني غياب المشورة الشعبية في قانون مصيري؟
مشروع الجزيرة: قانون يُصاغ بعيدًا عن أهله (1)
مقالات ذات صلة

