الخميس, يناير 29, 2026
الرئيسيةمقالاتمقدم معاش احمد الجعلي يكتب:التهجير القسرى للأجئين السودانيين فى مصر حين يُعاقب...

مقدم معاش احمد الجعلي يكتب:التهجير القسرى للأجئين السودانيين فى مصر حين يُعاقب النازح من الحرب وتختزل الإنسانية فى ملف أمنى

لم تكن مصر يومًا مجرد دولة جوار بالنسبة للسودانيين، بل كانت دائمًا مساحة تاريخية واجتماعية ممتدة، تتداخل فيها الروابط الإنسانية قبل السياسية، والجغرافيا قبل الاتفاقيات. ولهذا فإن ما يحدث اليوم من حملات اعتقال وترحيل قسري بحق لاجئين سودانيين داخل الأراضي المصرية لا يمكن التعامل معه بوصفه مجرد “إجراءات تنظيمية” أو “ترتيبات سيادية” كما يحاول البعض تبريره، بل هو تطور بالغ الخطورة يمس جوهر الكرامة الإنسانية، ويضع فكرة اللجوء ذاتها أمام اختبار قاسٍ. اللاجئ السوداني الذي وصل إلى مصر لم يأتِ بحثًا عن رفاهية أو مكاسب، ولم يعبر الحدود طمعًا في اقتصاد أو منافسةً على فرص أحد، بل جاء لأنه كان أمام خيارين لا ثالث لهما، إما البقاء في وطن تحكمه الحرب والانهيار، أو الهروب نحو مساحة أمان مؤقتة. جاء لأنه نازح من الموت، لا مهاجرًا باختياره. ولذلك فإن تحويله فجأة إلى ملف أمني، أو التعامل معه كمتهم لمجرد هويته، هو اختزال مخل للإنسان في بطاقة تعريف، وتجريد لمعنى الحماية من محتواه. ما يُثار من توقيف أشخاص من الشوارع وأماكن العمل، أو احتجازهم ثم ترحيلهم دون فحص فردي لظروفهم، ودون تمكينهم من حق طلب اللجوء أو ضمان الحد الأدنى من الإجراءات القانونية، لا يمكن وصفه بأنه “تنظيم” بل هو تهجير قسري وفق المعايير الإنسانية والقانونية المعروفة. فالقانون الدولي لا يعترف بالترحيل الجماعي، ولا يسمح بإعادة من فروا من الحرب إلى مصير مجهول دون دراسة ملفاتهم حالة بحالة. الأكثر إيلامًا في المشهد هو هذا التناقض الفاضح بين الخطاب الذي يتحدث عن الأخوة والضيافة، وبين الواقع الذي يشهد تضييقًا ومعاملة أمنية واعتقالات وترحيلًا لمجرد أن الشخص سوداني. وكأن الهوية أصبحت تهمة، وكأن النجاة من الحرب تحولت إلى سبب للعقاب بدل أن تكون مدخلًا للتعاطف. وفي خضم هذه الأزمة، تصاعد خطاب اجتماعي يحمّل السودانيين مسؤولية ارتفاع الأسعار وتدهور الأوضاع الاقتصادية في مصر، وهو خطاب لا يقوم على منطق ولا يستند إلى تحليل اقتصادي جاد، بل يمثل محاولة لصناعة كبش فداء جاهز تُعلّق عليه الأزمات بدل مواجهة أسبابها الحقيقية. فاللاجئ لا يملك أدوات التحكم في السوق، ولا قدرة الاحتكار، ولا سلطة التسعير. اللاجئون السودانيون في مصر يدفعون الإيجارات كما يدفعها غيرهم، ويشترون الغذاء بأسعاره المرتفعة، ويدفعون مقابل المواصلات والعلاج والتعليم، أي أنهم يضخون أموالهم داخل السوق المصري ولا يسحبونها منه. إن غلاء الأسعار ظاهرة معروفة الأسباب، مرتبطة بعوامل بنيوية مثل التضخم العالمي، وتراجع قيمة العملة، وارتفاع تكاليف الاستيراد، والسياسات الاقتصادية الداخلية، وهي عوامل لا يصنعها لاجئ هارب من الحرب ولا يتحكم فيها وافد يبحث فقط عن الأمان المؤقت. ولذلك فإن تحميل السودانيين مسؤولية أزمة اقتصادية مركبة ليس سوى تبسيط مضلل وخطير يفتح الباب أمام الكراهية الاجتماعية ضد الأضعف. ثم إن الحقيقة التي يتم تجاهلها عمدًا أن مصر نفسها استفادت اقتصاديًا وسياسيًا من وجود اللاجئين. فاللاجئون حرّكوا قطاعات واسعة في السوق من إيجارات وخدمات واستهلاك، كما أن ملف اللاجئين جلب دعمًا دوليًا وبرامج تعاون ومنحًا وقروضًا مرتبطة بإدارة الهجرة واللجوء. هذا واقع سياسي موثق، وليس ادعاءً عابرًا. كما أن استقبال اللاجئين لم يكن قسرًا على الدولة المصرية، بل تم بقرار سيادي واضح، واستُفيد منه إلى أقصى درجة. وهنا يبرز السؤال الجوهري الذي لا يمكن تجاهله، كيف يمكن لدولة أن تقبل استقبال اللاجئين وتستفيد من وجودهم اقتصاديًا وسياسيًا، ثم تعود لتعاملهم كعبء أمني وتقوم بترحيلهم قسرًا في تجاهل صارخ للالتزامات الإنسانية والقانونية. هذا السؤال ليس استفزازًا، بل هو جوهر العدالة ولب القضية. إن ما يُطلب اليوم ليس امتيازات ولا تدخلًا في السيادة، بل نداء عقل وضمير بأن يبقى الإنسان في قلب القرار، وأن يتم وقف أي إجراءات تهجير قسري جماعي، واحترام مبدأ الفحص الفردي للحالات، وضمان حق طلب الحماية، والفصل بين إدارة ملف الهجرة وبين الخطاب الأمني والتحريضي. لأن تحويل اللاجئين إلى شماعة للأزمات لا يحل مشكلة ولا يصنع استقرارًا، بل يخلق احتقانًا اجتماعيًا خطيرًا ويغذي خطاب الإقصاء ضد الفئات الأضعف. التاريخ لا ينسى كيف تعاملت الدول مع اللاجئين في لحظات الاختبار. ولا تسقط من ذاكرة الشعوب صورة من فتح أبوابه للنجاة، ولا صورة من أغلقها في وجه الهاربين من الموت. واللاجئ السوداني ليس خطرًا، ولا سبب أزمة، ولا عدوًا اقتصاديًا، بل إنسان فقد وطنه مؤقتًا، ولا يجب أن يفقد كرامته أيضًا.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات