الرئيسيةاخبار سياسيةمن الحياد المعلن إلى النفوذ المباشر… قصة التحول السعودي في حرب السودان

من الحياد المعلن إلى النفوذ المباشر… قصة التحول السعودي في حرب السودان

جمال طيفور

على مدى الأشهر الأولى من الحرب السودانية، حرصت المملكة العربية السعودية على تقديم نفسها بوصفها الراعي الأكثر قبولاً لجهود الوساطة، مستندة إلى منصة جدة التي منحتها موقعاً دبلوماسياً متقدماً في إدارة الأزمة. غير أن مؤشرات متقاطعة، تتداولها أوساط دبلوماسية وإقليمية، توحي بأن الرياض بدأت تتحرك في اتجاه مختلف، يتجاوز دور الوسيط إلى محاولة التأثير المباشر في موازين القوى العسكرية والسياسية داخل السودان.

وبحسب دبلوماسيين غربيين يتابعون الملف السوداني، فإن الحسابات السعودية لم تعد تقتصر على وقف الحرب، وإنما باتت مرتبطة أيضاً بمعادلة النفوذ في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، حيث ترى الرياض أن أي اختلال طويل الأمد في موازين القوى داخل السودان قد ينعكس مباشرة على مصالحها الأمنية والاقتصادية في الإقليم.

وتشير مصادر مطلعة في القاهرة والرياض إلى أن الأشهر الماضية شهدت نقاشات مكثفة حول سبل إعادة تشكيل المشهد العسكري، مع تركيز خاص على تقليص نفوذ قوات الدعم السريع داخل مناطق دارفور وكردفان. ووفقاً لهذه المصادر، يجري الاعتماد على قنوات قبلية وتجارية وشخصيات ذات حضور في إقليم البحر الأحمر لفتح خطوط اتصال مع قيادات ميدانية، في مسعى لإحداث تصدعات داخل البنية القيادية للقوات.

وتذهب مصادر دبلوماسية إلى أن هذا المسار طُرح خلال اجتماعات أمنية غير معلنة جمعت مسؤولين سعوديين ومصريين، حيث جرى تقييم مستقبل الحرب في ضوء مخاوف مشتركة من اتساع نفوذ قوى إقليمية منافسة داخل السودان، وما قد يترتب على ذلك من إعادة رسم لخريطة النفوذ على الساحل الغربي للبحر الأحمر.

وفي السياق ذاته، تتحدث تقارير أمنية متداولة في دوائر أوروبية عن تنسيق سعودي–مصري يشمل جوانب لوجستية وسياسية لدعم جيش البرهان ، من بينها تسهيل حركة بعض المعدات عبر البحر الأحمر، وتعزيز قدرات الاستطلاع، وتوفير غطاء دبلوماسي لتحركات كتائب البرهان في شرق السودان.
كما تشير مصادر سودانية في بورتسودان إلى زيارات متكررة لضباط سعوديين رفيعي المستوى خلال الأشهر الأخيرة، تصفها بأنها جزء من مشاورات تتعلق بإعادة تنظيم المؤسسة العسكرية وترتيبات المرحلة المقبلة، في وقت تلتزم فيه الرياض الصمت حيال طبيعة هذه اللقاءات.

وتقول تقديرات أمنية مسربة من بعثة أوروبية في نيروبي إن صناع القرار في الرياض ينظرون إلى استمرار تقدم قوات الدعم السريع باعتباره سيناريو يفتح الباب أمام توسع نفوذ قوى إقليمية أخرى في البحر الأحمر، وهو احتمال تعتبره المملكة تهديداً مباشراً لتوازناتها الأمنية.

ولا يقتصر الحراك السعودي، وفق هذه التقديرات، على البعد العسكري. فمصادر سياسية مطلعة تتحدث عن مقاربة تستهدف أيضاً إعادة تشكيل البيئة المدنية التي ستشارك في أي تسوية سياسية مستقبلية. ووفقاً لهذه المصادر، تنظر الرياض بتحفظ إلى بعض التحالفات المدنية، وترى أنها أقرب إلى أجندات إقليمية منافسة، الأمر الذي يدفعها إلى تشجيع تكوين كتلة سياسية أكثر انسجاماً مع رؤية المؤسسة العسكرية لسلطة بورتسودان.

وفي الإطار الاقتصادي، تتحدث وثائق مسربة ومصادر مالية سودانية عن تعهدات سعودية بدعم مشروعات مرتبطة بالموانئ والكهرباء، إلى جانب ترتيبات مالية عاجلة لدعم السلطات في بورتسودان. ويقرأ مراقبون هذه التحركات باعتبارها جزءاً من عملية بناء نفوذ طويل الأمد يسبق أي تسوية سياسية شاملة.
وتضيف مصادر دبلوماسية في أديس أبابا أن الرياض تعمل بالتوازي على تعزيز مسار سياسي يمنح البرهان وجيشه موقعاً محورياً في المرحلة الانتقالية، بما يحد من تأثير المبادرات الإفريقية والدولية التي تمنح القوى المدنية مساحة أوسع في ترتيبات ما بعد الحرب.

أما على الصعيد الإعلامي، فتشير مصادر إعلامية سودانية وإقليمية إلى وجود نشاط متزايد لوسائل إعلام ممولة أو مدعومة من السعودية يركز على إعادة تقديم عبد الفتاح البرهان بوصفه رجل الدولة القادر على قيادة المرحلة الانتقالية، مع تكريس خطاب يصور الجيش باعتباره الضامن الوحيد لوحدة الدولة، في مقابل تقديم قوات الدعم السريع باعتبارها مشروعاً مرتبطاً بأجندات خارجية.

ويلاحظ متابعون أن هذا الخطاب الإعلامي يتقاطع مع التحركات السياسية والدبلوماسية الجارية، بما يعزز الانطباع بأن الرياض تسعى إلى صياغة رواية سياسية متكاملة تواكب إعادة ترتيب موازين القوى على الأرض.
وإذا كانت هذه المؤشرات، التي يستند معظمها إلى تسريبات ومصادر دبلوماسية وأمنية، تعكس بالفعل توجهاً مستقراً داخل دوائر صنع القرار السعودية، فإن المملكة تكون قد انتقلت عملياً من مرحلة إدارة الأزمة عبر الوساطة إلى مرحلة السعي للتأثير المباشر في نتائجها. وعندها لن يكون منبر جدة سوى محطة في مسار أوسع، عنوانه إعادة تشكيل التوازنات السودانية بما يخدم حسابات النفوذ الإقليمي في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، بقدر ما يخدم ترتيبات الداخل السوداني.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات