عبد الباقي مختار بقة
“نورا شافت في رؤاها.. طِيرة تاكل في جناها
وحيطة تتمطَّى وتَفلِّع في قَفَا الزول البناها”
محمد الحسن سالم حميد
إلى متى سيظل النسيج الاجتماعي السوداني رهينة لصراعات لا يصنعها أبناء القبائل والعشائر، بل تتغذَّى على فتنٍ تُزرَعُ في غرف الاستخبارات؟
إن مشوار المؤسسة العسكرية وطريقها، من استخدام الميليشيات كأدوات مؤقتة إلى صناعة قوات عسكرية تمتهن العنف كهِوَايَة لتصل أو لتبلغ مرحلة أن تكون مستقلة تهدِّد كيان الدولة وخارطة السودان نفسه؛ لم تبدأ بالدعم السريع، ومن الواضح أنها لن تنتهي بـ”البراءون”. إنها رحلة أعمق وأطول، نجد جذورها في تاريخ السودان السياسي والاجتماعي الحديث، وتتغذى على أساليب وطرق مُمَنهَجة، من عسكرة المجتمعات، وتحويل الخلافات البسيطة إلى قنابل وألغام سريعة الانفجار؛ رحلة لم تبدأ بين يَومٍ وليلة، بل بدأت منذ عقود بسياسات التدخّل في الصراعات الإثنية والعشائرية، حيث لم يقف الجيش موقف الحياد في صراعات القبائل والعشائر، بل تحوَّل إلى لاعب ومُشجِّع وحَكَم، ينتصر لطرفٍ على حساب آخر، ويمنح السلاح لقبيلة ضد أخرى باسم الأمن القومي، ويقوم بتصنيع الصراعات الإثنية إن لم يجدها.
هذه السياسات بدأت تُطلُّ برأسها بوضوح في الديمقراطية الثالثة في عهد رئيس الوزراء الراحل السيد الصادق المهدي، حينما ابتكرت المؤسسة العسكرية في عهده، وعهد اللواء فضل الله برمة ناصر عضو المجلس العسكري الانتقالي لثورة مارس/أبريل، ومن بعد ذلك وزير الدولة بوزارة الدفاع عن حزب الأمة؛ ابتكرت مصطلح الدفاع الشعبي، وبتلك العمليّة سُلِّحت القبائل الرعوية في مناطق التماس بين تلك القبائل في جنوب دارفور وجنوب كردفان شمالاً، وفي الجانب الآخر الجنوب الجغرافي والإثني: مجموعات الدينكا والنوير في شمال بحر الغزال وشمال غرب أعالي النيل. وفي نفس العام ١٩٨٦م، اتُّهِمَت تلك القوات بالتورط في نزاعات ومجازر قطار الضعين.
خُصِّبت ووُلِدت هذه المليشيات الإثنية في معامل المؤسسة العسكرية، في ظل وبمباركة حكومة الديمقراطية الثالثة، ومُنحت اسم “الدفاع الشعبي” ليلتقطها “بعد انقلاب المؤسسة العسكرية تحت قيادة عمر حسن أحمد البشير في العام ١٩٨٩” نظام الإنقاذ في بدايته، ليَنقُل ويَحقِن جيناتها بالهوس الديني، ويزرعها في أذهان أطفال المدارس وطلاب الجامعات السودانية في المركز، ويحوّلهم لمليشيات دينية في قوات الدفاع الشعبي والمليشيات المرتبطة بها، ليصير عمادها “أطفال” يُسحَبون -الكشات- من المدارس والطرقات دون علم أولياء أمرهم، ليَغرِسُوا فيهم ثقافة السلاح والإثنية والكراهية ضد “الآخر”، فالتَهَمتهم نيران الحرب في الجنوب، ومن عاد منهم للديار لم تعد الأكاذيب تغذّيه بالإيمان الكافي ليعود مدفوعاً لتلك المحرقة.
بعد أن انهارت أسطورة الجهاد وانكشفت عورة المشروع الديني الملفوف في عباءات الدجل، عقب مفاصلة الإسلاميين في العام ١٩٩٩،لم يعد ممكناً للمؤسسة العسكرية أن تستند إلى سردية الحرب المقدسة التي كانت لسنوات طويلة الغطاء الآيديولوجي لعملياتها العسكرية، وجزءً أساسيَّاً من عقيدتها القتالية. فقد أظهرت التجربة التي تلت المفاصلة والانقسام السياسي داخل الحركة الإسلامية أن خطاب الحرب المقدسة أو الجهاد لم يَعُد قادراً على حشد الجماهير، ولم يَعُد تبرير العنف باسم الدين جاذباً بعد أن نَقَضَه عراب الحركة الإسلامية الدكتور حسن الترابي صراحةً، وصرَّح، دون مواربة، وأعلنها بصوتٍ عالٍ دون أن ينظر للخلف بخجل: إن حرب الجنوب ليست جهاداً. ووصفها بالحرب الأهلية والصراع من أجل السلطة.
كان انقساماً فَضَح فيه الإسلاميون أنفسهم عبر انكشاف تناقضاتهم الداخلية وفشلهم في إدارة صراعهم على كراسي السلطة، صراع تعود الغلبة فيه للمؤسسة العسكرية كالعادة، بعد المفاصلة بأعوامٍ قليلة، وفي لحظة تاريخية حرجة -لحظة اندلاع الحرب في دارفور- وجدت المؤسسة العسكرية نفسها أمام فراغٍ أيديولوجي كبير، خاصة وأن الحرب في دارفور لا يمكن ان تتبنَّى نفس التعريف الجهادي أو سردية الحرب المقدسة التي أُطلِقت وعُمِّمَت في حرب جنوب السودان، فكان لابد من البحث عن آليات جديدة لتُنتِج خطاب حربٍ يُوحِّد جبهتها الداخلية ويعيد إنتاج الهيمنة، وهنا انتقلت إلى تبنّي استراتيجية أسهل أو أقل تكلفة “اقتصاديّاً ومعنويّاً ومن ناحية موارد بشرية” بالنسبة للمؤسسة العسكرية، تمثلت في اللعب على النزاعات الصغيرة بين الإثنيات والقبائل المختلفة وحتى العشائر. لم تخلق هذه الاستراتيجية واقعاً جديداً من الصراعات فقط، بل وظَّفَت مخاوف جغرافية وخلافات حدودية على الحواكير، واقتصادية كانت قائمة أصلاً، واستخدمتها ضمن مشروع سياسي يهدف إلى تفكيك أي حركة مسلحة أو حتى تنظيم مدني مُوحّد، ولم تقف عند ذلك، بل ذهبت إلى استلهام تجربة من أقبح وأعنف تجاربها في جنوب السودان، الا وهي صناعة الميليشيات الإثنية، من خلالها استعادت ووطَّنت وجودها في مناطق كانت مُلتَهبة وتحت سيطرة الجيش الشعبي لتحرير السودان، مما ساهم في إطالة زمن الحرب وتثبيت وجودها في السلطة، كما استفادت من تلك التجربة في استقطاب المجتمعات على أساس الهوية العرقية والقبلية بشكل أساسي، وفي خلق الفتن وتقسيم الخصوم وإطالة أَمَد الصراعات تحت الإشراف التام من أقسام مُختصَّة في ذلك داخل جهاز استخبارات المؤسسة العسكرية؛ فتحمّلت تلك المجتمعات عناء الحرب ودَفَعت ثمنها مباشرة، وتحملت تبعاتها الاجتماعية والاقتصادية والجغرافية. وهكذا تحول الجيش من حامل لواء الجهاد والحروب المقدسة في جنوب السودان إلى مؤسسة خبيرة في إدارة الصراعات الصغرى والفتن الإثنية والعشائرية، ومثلما برَعَت المؤسسة العسكرية في زراعة الفتن والانشقاقات الإثنية وصناعة المليشيات، تفنَّنت أيضاً في طرق تفكِيك وتدمير تلك الوحوش التي تَصنعها.
كلّما ازدادت قوة الميليشيا واقتربت إلى شكل من أشكال الاستقلالية الكاملة، أو تَقَدَّم قائد المليشيا أو زعيم أي فصيل من الفصائل المُنشقَّة عن الحركات، وصارت قواتها من القوات المساندة للمؤسسة العسكرية، تقدَّمت بشكاوى أو تذمر، تتدخل المؤسسة العسكرية بآلية ممنهجة تقوم على خلق الانشقاقات والفتن بين قياداتها، تبدأ هذه الآلية بخلخلة التماسك الاجتماعي الداخلي، وزرع الشكوك بين قادتها، وتَصنَع فِتناً عشائرية داخل القبيلة الواحدة، ثم تدفع الميليشيا نحو الانقسام، لتعلن المؤسسة العسكرية دعمها للشق الأضعف، وذلك بهدف تصفية القيادة الأقوى بسهولة ودون مواجهة مباشرة.
هذه الاستراتيجية طبَّقَتها المؤسسة بوضوح في حالة الزعيم وليم نجون، كما عملت على توسيع الخلاف بين د. رياك مشار ولام أكول فانقسم جناح الناصر -المُنشَق عن الحركة الشعبية الأم- إلى فصيلين في أقل من عام داخل الخرطوم، ثم انشقاق القائد تعبان دينق قاي عن د. رياك مشار، وكذلك بين باولينو متيب وبيتر قديت، في كل هذه الحالات، كانت المؤسسة العسكرية هي الحَكَم والمُحرِّك الخفيّ للصراع، مستفيدة من الثغرات القبلية والسياسية لتفكيك أي كيان عسكري مُنافس من الداخل. وللقائد تعبان دينق قاي – حالياً نائب رئيس بجمهورية جنوب السودان- مقولة مشهورة في مؤتمر نيو سايت بعد توقيع بروتكول مشاكوس في العام ٢٠٠٢، مقولة مُغلَّفة بالمرارات والتحذير، مقولة استمدَّها من تجربته الشخصية قال: “الجماعة ديل -يقصد الجيش والكيزان- لو مشيت ليهم براااك -يقصد منفرداً- بيقسموك النُص) وبهذا الأسلوب، تَضرب المؤسسة العسكرية أكثر من عصفورٍ بحجرٍ واحد؛ فهي تُضعِف الخصوم، وتَظهَر بمظهر الوسيط العادل، ومن ثم تُعيد ترتيب وتَوَازن القوى داخل المليشيا أو القبيلة لصالحها، دون أن تَظهَر في الصورة أو تتسخ يداها بالمواجهة المباشرة.
في الجانب الآخر، وبمرور الزمن وتكرار تجارب التَخلُّص من المليشيات بمليشياتٍ أخرى -كما حدث مع موسى هلال وآخرين- طوَّرَت مليشيا الدعم السريع قدرات حماية ذاتية من التفكيك، وحوَّلَت نفسها إلى كيانٍ موازٍ ووحشٍ عسكريّ بعقيدتها القَبَلية، وولاءاتها الخاصة، وميزانياتها المُنفصلة. لقد فُصِّلت قوانين داخل البرلمان من أجلها، ولم تَعُد تتبع أوامر أحد، بدعوى وإيحاء أنها تتبع للرئيس مباشرةً، ثمّ صارت وبدأت تَفرِض إرادتها على المدنيين (وحادثة اعتقال السيد الصادق كانت خير مثال وأوضح إشارة لما آلت إليه) والعسكريين، بل وعلى الدولة نفسها؛ توسَّعت في النفوذ وصَنَعت قوانينها وفَرضَتها، بل ذهبت أبعد، إلى خارج حدود الدولة، ودَخَلت في تحالفات إقليمية ودولية مستقلة!
وهكذا، أصبحت قوات الدعم السريع، تمثل دولة داخل الدولة، ولم تكن حالةً شاذة أو عَرَض عابر، بل نتيجة طبيعية، والوجه الذي لا يقلّ وحشيةً عن صانعها، اذاً هو تطور طبيعي لسياسة المؤسسة العسكرية لعقود، وتكمن جذورها في (عسكرة المجتمعات، تغذية الصراعات الإثنية، تجنيد الأطفال، وخلق الميليشيات والمليشيات البديلة).
وليس خافياً كيف ظلَّت المؤسسة العسكرية والحركة الإسلامية في هذه الحرب تُعَامِل الدعم السريع كالابن العاق؛ تغازله بلهجة تحكيم صوت العقل والعودة إلى حضن الوطن، أكثر من التهديد والوعيد، ولم تمارس المؤسسة العسكرية والحركة الإسلامية عليه الحرب السياسية أو التهديد الصريح مثلما فعلت مع المعارضين من المدنيين، بل كانت في الإعلام والحوارات عبر القنوات، تُرسِل إشارات المُغازلة عبر كوادر الحركة الإسلامية، ونداءات العودة إلى كنف المؤسسة العسكرية وحضن الوطن -الوطن هنا هو الحركة الإسلامية- والجلوس للتفاوض، بينما ظلَّت المحاكمات الغيابية والتهديد بالقتل والسحل من نصيب المدنيين، أو من تحوم حولهم شبهة التعاون مع الدعم السريع..
إذا كان ثمّة ما يمكن استخلاصه من هذه العودة السريعة لتاريخ وتجربة عسكرة المجتمعات، فهو أن تحوُّل المؤسسة العسكرية من مؤسسة يفترض أنها وطنية إلى مزرعة خصبة لتوليد الميليشيات، ولم يكن ذلك وليد لحظة عابرة أو خطأ تكتيكي، بل كان مشروعاً له جذورٌ ومُمَنهَج، تَغَذَّى ونَمَا في حقبٍ مختلفة ومُتعاقِبَة؛ منذ عهد الديمقراطية الثالثة، مروراً بحكومة الإنقاذ -حكومة تحالف المؤسسة العسكرية والحركة الإسلامية- وصولاً إلى لحظة انفلات الوحش العسكري والانقلاب على مُؤسِّسيه، وصار حيطة -تتمَطَّى وتَفَلِّع في قَفَا الزول البناها- على شكل حربٍ قَضَت على الأخضر واليابس، وشردت كل الشعب السوداني في الداخل ودول الجوار.
لقد أثبتت التجربة أن تسليح القبائل باسم “الدفاع الشعبي” أو “الأمن القومي” لا يُنتج قوات احتياطية، بل يخلق كيانات موازية تعيش وتتغذَّى على الفتن الإثنية، وتنهل من معين وحشِيَّة مؤسِّسها ومن أنجبها، وها هي الحرب اليوم تكشف الوجه الحقيقي لعقود من عسكرة المجتمعات، وتغذية الصراعات الإثنية، وتجنيد الأطفال، والاستثمار الخبيث في الصراعات الصغرى بين القبائل والعشائر بدلاً من حلّها.
ما الذي جعل المؤسسة العسكرية، ومن خلفها الحركة الإسلامية، تتعامل مع “الابن العاق” بالتفاوض والمغازلة، بينما كان العنف المطلق نصيب المدنيين العُزَّل؟ وهل تعكس هذه الازدواجية في التعامل اعتبارهم الدعم السريع استثماراً ناجحاً كأحدَث سلسلة إصداراتِها المليشاوِيَّة، وتسعى المؤسسة العسكرية والحركة الإسلامية إلى استعادته للحفاظ على نفوذها وقمع المعارضين، وتثبيت أقدامها في السلطة مجدداً؟
أم أن تعامل الجيش والإسلاميين ظلَّ وسيظلّ كما هو تجاه المدنيين العُزَّل باعتبارهم حراكاً سياسياً غير مسلح يمكن قمعه بسهولة، دون خشية ردود أفعال عنيفة.
مأساة السودان اليوم ليست في وجود الدعم السريع، بل في هذا الكيان الذي يُسمِّي نفسه “المؤسسة العسكرية”، والتي صارت تتمادى في ارتكاب الأخطاء عبر تمزيق النسيج الاجتماعي للمكوّنات الاجتماعية في كل أنحاء السودان، لدرجة تجعلنا كالعادة نتساءل: ما الذي جعل المؤسسة العسكرية، ومن خلفها الحركة الإسلامية، تتعامل مع “الابن العاق” بالتفاوض والمغازلة، بينما كان العنف المطلق نصيب المدنيين العزل؟.
هل كانت صناعة كل هذه المليشيات مجرد وسيلة لاستمرار الهيمنة، أم أن المؤسسة العسكرية وحشٌ يَلتَهم الدولة لحماية مصالح لا علاقة لها بحماية الوطن؟
وإذا لم يكن للسودانيين وحدهم الحق في تحديد علاقة جيشهم بمجتمعهم، فمن يملك هذا الحق؟ وهل تمت صناعة هذه المؤسسة العسكرية أصلاً لخدمة مصالح خارج حدود الوطن والشعب؟
ألم يَحِن الوقت للانعتاق أو الخروج من قمقم “إعادة إنتاج الأزمات” الذي جَعَلَ من كل قبيلة تَرسَانة، ومن كلّ خلافٍ صغير مشروعَ حربٍ طويلة، ونقضي نهائياً على ثقافة تسليح وعسكرة المجتمعات؟.
أسئلة أخيرة أتمنَّى أن نجد لها إجابات، أو حتى أسئلة تقود إلى البحث في وعَنْ إجابات وحلول في مقبل الأيام إن شاء الله.
…
في ظل هذه الحرب المستمرة، هل لدى تحالف قوى تأسيس القدرة على إعادة هيكلة قوات الدعم السريع، وتحويلها إلى قوات تُؤمِن بالانتقال السياسي السلمي وتقبل بالتحول الديمقراطي؟.
وهل لدى قوات الدعم السريع وقادته الاستعداد للدخول في مغامرة التحوّل وقبول الآخرين في هياكله؟ .
هل ستتَمكّن فصائل تأسيس المسلحة من دمج قوّاتها وتكوين جيش واحد وتغيير اسم الدعم السريع؟.
وهل بالإمكان لتحالف تأسيس أن يُوحِّد فصائله المسلحة في جيش واحد، وأن يُغَيِّر اسم الدعم السريع بالكامل؟.
من الدفاع الشعبي إلى الدعم السريع: خُصوبَة رَحِم المؤسسة العسكرية وولادة المليشيات
مقالات ذات صلة

