تقدير موقف:
ذوالنون سليمان، وحدة الشؤون الإفريقية، مركز تقدم للسياسات
تقديم: تكشف التطورات الأخيرة في مدينة بيدوا، عاصمة ولاية جنوب غرب الصومال، عن تحول نوعي في طبيعة الصراع داخل الصومال، ينتقل بها من خلافات سياسية وإجرائية إلى صراع مفتوح حول بنية النظام الفيدرالي ذاته. فسيطرة الجيش الفيدرالي على المدينة وإجبار القيادة الإقليمية على التراجع، لا تمثل حدثاً معزولاً، بل تأتي ضمن مسار أوسع من إعادة تمركز السلطة في مقديشو، في مقابل رفض متزايد من الولايات الفيدرالية.
تتزامن هذه التطورات مع تصاعد التوترات في ولايات أخرى مثل بونتلاند وجوبا لاند، ومع أزمات مزمنة مع أرض الصومال، ما يشير إلى أزمة هيكلية في نموذج الحكم. وتزداد خطورة هذا المسار في ظل تداخلات إقليمية متصاعدة، خاصة مع انخراط كينيا وإثيوبيا في الحسابات الأمنية والسياسية وفق تقارير إعلامية، وبالتوازي مع إعادة تموضع تحالفات مقديشو الإقليمية.
المعطيات:
الأزمة في بيدوا والتدخل الفيدرالي:
شهدت بيدوا سيطرة القوات الفيدرالية على المدينة وإجبار رئيس الولاية عبد العزيز لافتاغارين على التراجع بعد إعادة انتخابه لولاية ثالثة. رفضت الحكومة الفيدرالية الاعتراف بهذه الانتخابات واعتبرتها غير شرعية، فيما رأت إدارة الولاية أن التدخل العسكري يشكل تقويضاً مباشراً لصلاحياتها الدستورية.
التوترات مع الولايات الأخرى:
تتجاوز الأزمة ولاية جنوب غرب الصومال لتشمل ولايات أخرى. فبونتلاند أعلنت سابقاً تعليق تعاونها مع الحكومة الفيدرالية، فيما تحتفظ جوبالاند بعلاقات أمنية وثيقة مع كينيا. أما أرض الصومال، فتحتفظ بموقف انفصالي وترفض الانخراط في النظام الفيدرالي.
تقود إدارة الرئيس حسن شيخ محمود توجهاً واضحاً نحو تعزيز مركزية القرار، من خلال إصلاحات انتخابية تتمثل في تبني نظام “صوت واحد لكل مواطن”، وتعديلات دستورية تفسرها الولايات على أنها تقييد لصلاحياتها.
التداخلات الإقليمية:
أعلن الرئيس الصومالي تقارباً مع مصر وإريتريا والسودان، في سياق توازنات القرن الإفريقي والتنافس مع إثيوبيا. كما تتزايد التقارير حول تزايد المؤشرات على فتح المجال أمام قواعد عسكرية لقوى إقليمية، بما في ذلك مصر وتركيا.
الملف الأمني:
تتبادل الحكومة الفيدرالية والولايات اتهامات بالتنسيق مع حركة الشباب، ما يعكس تسييساً خطيراً للملف الأمني. وفي ظل استمرار نشاط الحركة في مساحات واسعة من الريف، فإن أي تفكك داخلي يخلق بيئة مواتية لإعادة تمددها.
التحليل:
يمثل ما جرى في مدينة بيدوا نقطة انعطاف استراتيجية خطيرة في طبيعة العلاقة بين المركز الفيدرالي في مقديشو والولايات الفيدرالية، حيث انتقل النزاع السياسي من مجرد الخلاف حول الانتخابات والصلاحيات الإدارية، إلى مرحلة فرض الوقائع الميدانية بالقوة العسكرية المباشرة. هذا التباين الجوهري في الرؤى يعكس صراعاً أعمق وأخطر حول طبيعة النظام السياسي الصومالي ذاته: هل هو نظام فيدرالي حقيقي وفعلي قائم على التوازن وتقاسم السلطة بين المركز والأطراف، أم هو نظام مركزي يعاد تشكيله وفرضه تحت غطاء دستوري وشرعية انتخابية.
يأتي هذا التطور الخطير في سياق توجه استراتيجي واضح تقوده إدارة الرئيس حسن شيخ محمود نحو تعزيز مركزية القرار السياسي والإداري، من خلال الدفع المتواصل بإصلاحات انتخابية جذرية تتمثل في تبني نظام “صوت واحد لكل مواطن” بدلاً من نظام التمثيل العشائري التقليدي، إلى جانب طرح تعديلات دستورية مقترحة تفسر على نطاق واسع على أنها تهدف إلى تقييد صلاحيات الولايات الفيدرالية وتقليص استقلالها. غير أن هذه الخطوات الإصلاحية، رغم وجاهتها النظرية وضرورتها من منظور بناء الدولة الحديثة، تصطدم بواقع سياسي هش ومعقد قائم على توازنات قبلية ومناطقية دقيقة للغاية، وهو ما يجعل محاولة فرضها من أعلى إلى أسفل دون توافق سياسي واسع محفوفاً بمخاطر التفكك والانهيار.
على المستوى الميداني والعسكري، يحمل دخول القوات الفيدرالية إلى مدينة بيدوا دلالات استراتيجية تتجاوز بكثير حدود ولاية الجنوب الغربي، إذ يفتح الباب واسعاً أمام احتمال تكرار هذا النموذج العسكري في ولايات فيدرالية أخرى، خاصة في ولاية بونتلاند التي أعلنت سابقاً تعليق تعاونها مع الحكومة الفيدرالية بشكل رسمي، وولاية جوبالاند التي تحتفظ بعلاقات أمنية وثيقة ومتشابكة مع جمهورية كينيا المجاورة. ويعني ذلك عملياً أن الصراع السياسي والأمني مرشح بقوة للانتقال من مجرد أزمة موضعية محدودة الأبعاد في منطقة واحدة، إلى أزمة نظام سياسي شاملة تهدد الأسس الدستورية للدولة الفيدرالية.
في هذا السياق المعقد، تبرز بوضوح مؤشرات متعددة على تصاعد نزعات التمرد والانفصال الإقليمي، ليس فقط في شكل رفض سياسي ومواقف خطابية، بل عبر إعادة بناء تحالفات أمنية وعسكرية خارج الإطار الرسمي للدولة الفيدرالية. فولاية جوبالاند تشكل بوابة محتملة وخطيرة لتدخلات إقليمية مباشرة أو غير مباشر، بحكم موقعها الجغرافي الحدودي الاستراتيجي مع جمهورية كينيا الساعية لتعزيز أمنها القومي، وهي دولة تمتلك بالفعل وجوداً عسكرياً رسمياً ضمن بعثة الاتحاد الإفريقي الانتقالية في الصومال. كما أن جمهورية إثيوبيا الفيدرالية، التي تنظر إلى الملف الصومالي من زاوية أمنها القومي المباشر ومخاوفها العميقة من انتقال الفوضى والإرهاب عبر حدودها الطويلة، تبقى لاعباً إقليمياً رئيسياً حاضراً بقوة وقادراً على التأثير الفعال في مسارات الأحداث.
تتداخل هذه الديناميات الداخلية المعقدة مع عملية إعادة تشكيل واسعة للتحالفات الإقليمية في منطقة القرن الإفريقي، حيث أعلن الرئيس الصومالي تقارباً استراتيجياً واضحاً ومقصوداً مع جمهورية مصر العربية وإريتريا والسودان، في سياق إعادة ترتيب موازين القوى وتوازنات النفوذ الإقليمي، بما في ذلك التنافس الجيوسياسي التاريخي والمزمن مع إثيوبيا حول ملفات المياه والنفوذ والوصول إلى البحر. كما أن احتمالات فتح المجال أمام إنشاء قواعد عسكرية أو نقاط ارتكاز استراتيجية لقوى إقليمية ودولية، بما في ذلك مصر وتركيا، يضيف بعداً جديداً ومعقداً للأزمة الصومالية الداخلية، حيث تتحول الفيدرالية الصومالية الهشة إلى ساحة مفتوحة لتقاطع النفوذ الإقليمي والتنافس الجيوسياسي.
على المستوى الأمني الحاسم، تعكس الاتهامات المتبادلة الخطيرة بين الحكومة الفيدرالية والولايات الفيدرالية بشأن التنسيق المزعوم أو التساهل مع حركة الشباب المجاهدين المرتبطة بتنظيم القاعدة، تسييساً متقدماً وخطيراً للملف الأمني الحيوي، وتآكلاً مقلقاً في الثقة المتبادلة الضرورية بين الأطراف المختلفة.
الخلاصات:
يعكس ما جرى في بيدوا انتقال الصراع من خلاف سياسي إلى صراع على الشرعية واحتكار القوة.
تكشف الأزمة عن خلل بنيوي في نموذج الفيدرالية، خاصة في توزيع الصلاحيات وآليات إدارة الانتخابات.
تتزايد مؤشرات التمرد الإقليمي، مع احتمال توسع الأزمة إلى بونتلاند وجوبالاند وأرض الصومال.
يفتح هذا المسار الباب أمام تدخلات خارجية من كينيا وإثيوبيا، في ظل تشابك المصالح الأمنية.
يعزز تداخل التحالفات الإقليمية مع مصر وإريتريا وتركيا من خطر تدويل الأزمة وتحويلها إلى ساحة تنافس إقليمي.
يؤدي تسييس الملف الأمني إلى تقويض الثقة بين الأطراف، ويخلق بيئة ملاءمة لتمدد حركة الشباب الجهادية.

