بقلم: عبدالله إسحق محمد نيل.
في تطور خطير أعادت واشنطن فتح ملف استخدام الأسلحة الكيميائية في السودان، معلنة أن لديها تقييماً استخباراتياً خلص إلى أن الجيش السوداني استخدم غازات كيميائية خلال عام 2024 في مناطق العمليات العسكرية. الخارجية الأميركية قالت إن هذا الفعل يشكل انتهاكاً لاتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية التي وقع عليها السودان عام 1999 وصادق عليها لاحقاً.
البيان الأميركي لم يتوقف عند الإدانة اللفظية. فقد أعلنت واشنطن فرض حزمة عقوبات جديدة على الحكومة السودانية عملاً بالقانون الأميركي الخاص بمنع انتشار الأسلحة الكيميائية والبيولوجية. كما شككت في مصداقية اللجنة التي شكلتها سلطة بورتسودان للتحقيق في الاتهامات، واعتبرت أنها لا تغني عن تحقيق مستقل تجريه منظمة حظر الأسلحة الكيميائية ومقرها لاهاي، باعتبارها الجهة الدولية المختصة قانوناً بالتحقق من هذه الانتهاكات.
ورغم جسامة الاتهام، ظل المشهد الدولي يتسم بالصمت المريب مما شجع نظام الأخوان المسلمين والحركة الإسلامية يواصل في استخدام الأسلحة الكيميائية في منطقة ام قرفة باقليم شمال كردفان هذا الأسبوع . ولم تصدر حتي الان إدانة جماعية من مجلس الأمن، ولا بيان واضح من الجامعة العربية، ولا موقف حاسم من الاتحاد الأفريقي أو منظمة الإيقاد. هذاالصمت والغياب يطرح سؤالاً أخلاقياً وقانونياً في آن واحد: لماذا تتحرك واشنطن وحدها بينما يغيب بقية مؤسسات ودول العالم عن جريمة تمس الإنسانية جمعاء؟
السودان يعيش منذ أبريل 2023 حرباً بين الجيش وقوات الدعم السريع السودانية غير متكافئة خلفت عشرات الآلاف من القتلى ونزوحاً داخلياً وخارجياً تجاوز عشرة ملايين شخص حسب تقديرات المنظمات الإنسانية. المدن تحولت إلى ساحات قتال وضرب بالمسرات للمستشفيات والمدارس والأسواق والمناسبات الاجتماعية بواسطة جيش الإخوان المسلمين والحركة الإسلامية وخرجت كثير من المؤسسات عن عن الخدمة، والبنية التحتية دمرت بشكل شبه كامل في الخرطوم ودارفور والجزيرة. في هذا السياق، يأتي اتهام استخدام السلاح الكيميائي ليضيف فصلاً جديداً من فصول المعاناة. فالأسلحة الكيميائية محرمة دولياً لأن آثارها لا تستهدف المقاتلين فقط، بل المدنيين والأطفال والبيئة وتمتد لسنوات.
من الناحية القانونية، اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية تلزم الدول الأطراف بعدم التطوير أو الإنتاج أو التخزين أو الاستخدام، وتلزمها بالتعاون مع منظمة الحظر في أي تحقيق. وغياب تحقيق دولي محايد يترك الباب مفتوحاً للتسييس وللاتهامات المتبادلة. الجيش السوداني نفى مراراً استخدام أي أسلحة محرمة، ووصف الاتهامات بأنها حملة تستهدف تشويه سمعته وتبرير مزيد من العقوبات.
لكن السؤال الذي لا يحتمل التأجيل هو عن مصير المدني السوداني المحاصر بين نيران الحرب وصمت العالم. أين صوت الجامعة العربية التي تأسست للدفاع عن الأمن القومي العربي؟ وأين الاتحاد الأفريقي الذي يرفع شعار حلول أفريقية للمشاكل الأفريقية؟ وأين الإيقاد التي تتابع عن كثب أزمات القرن الأفريقي؟
إن إدانة استخدام الكيماوي لا يمكن أن تكون انتقائية. فإما أن يكون القانون الدولي سيداً على الجميع، أو يصبح مجرد أداة في يد الأقوياء. وشعب السودان الذي يدفع ثمن هذه الحرب بأرواحه وكرامته يستحق تحقيقاً شفافاً وعادلاً، لا بيانات انتقائية وعقوبات منفردة.

