بقلم :عبدالله اسحق محمد نيل.
تشهد ولاية شرق دارفور في هذه الأيام حراكا سياسيا وإداريا غير مسبوق جاء على خلفية الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الاتحادية تجاه رئيس الإدارة المدنية بالولاية محمد إدريس خاطر مما خلق حالة من الاهتزاز داخل هياكل الحكم بالإقليم وفتح الباب أمام إعادة قراءة العلاقة بين المجالس المدنية والسلطة التنفيذية في ظل المتغيرات الدستورية الجديدة
وفي خضم هذا التوتر أعلن مجلس التأسيس المدني بقيادة رجل الأعمال حامد محمد عبدالرحمن عن إجراءات اتخذها تجاه المدير العام لوزارة الصحة بالولاية الأستاذ أزرق حسن حميدة شيتاوي وذلك لعدم تقديمه تقرير أداء أمام المجلس طيلة فترات انعقاد المجلس وأوضح رئيس المجلس في تسجيل مصور بث على منصات التواصل الاجتماعي أن المدير العام تلقى عدة خطابات استدعاء ولم يستجب لها حتى لحظة إعلان سحب الثقة منه معتبرا ذلك سابقة سياسية ودستورية تفتح الباب أمام سيناريوهات جديدة حول مستقبل العملية الإدارية والتشريعية بالولاية
غير أن الوقوف عند حدود القانون والدستور الانتقالي لجمهورية السودان لسنة 2025 يكشف عن إشكال جوهري في هذه الإجراءات فالوثيقة المنظمة لعمل الإدارات المدنية لسنة 2024 كانت قد منحت مجالس التأسيس المدني حق استدعاء رؤساء الإدارات المدنية والمدراء العامين للوزارات ومنحت لها حق التوصية للمجلس الأعلى للإدارات المدنية بإقالتهم أو سحب الثقة منهم دون أن تمنحها سلطة مباشرة في العزل أو سحب الثقة
إلا أن المشهد تغير تماما بعد تكوين حكومة السلام الانتقالية وحل المجلس الأعلى للإدارات المدنية وحل مجالس التأسيس بالولايات وتكليف مجموعة مبسطة من أعضائها بتسيير العمل إلى جانب تكليف رؤساء الإدارات والمدراء العامين من قبل عضو المجلس الرئاسي وحاكم إقليم دارفور الدكتور الهادي إدريس يحيى وذلك وفق موجهات محددة لإدارة دولاب العمل
هنا يبرز السؤال القانوني هل يحق للمجموعة المبسطة لمجلس التأسيس المدني أن تمضي إلى حد سحب الثقة من مدير عام وزارة كما حدث في شرق دارفور أم أن ذلك يعد تجاوزا صريحا لحدود التفويض الممنوح لها
والإجابة القانونية الراجحة تقوم على مبدأ سمو الدستور فالدستور الانتقالي لسنة 2025 يعد المرجعية العليا التي ألغت ضمنا جميع الوثائق والمراسيم المؤقتة السابقة بما في ذلك الوثيقة الخاصة بالمجلس الأعلى للإدارات المدنية وعليه فإن أي قرار إقالة أو سحب ثقة لا يصدر إلا وفق الإجراءات المنصوص عليها في الدستور وقانون الحكم الإقليمي الذي أجازه مجلس الأقاليم مؤخرا والذي حدد جهات الاختصاص في التعيين والعزل
وبالعودة إلى القاعدة القانونية المستقرة لا جريمة ولا عقوبة ولا إجراء إداري إلا بنص فإن قرار سحب الثقة من المدير العام لوزارة الصحة بشرق دارفور بواسطة مجموعة مبسطة لا تملك صفة قانونية قائمة يعد إجراء باطلا ومخالفا للدستور والقوانين السارية والأعراف الإدارية ويشكل محاكمة سياسية في الزمن بدل الضائع لعمر الإدارات المدنية المكلفة
إن ما يجري في شرق دارفور اليوم ليس مجرد خلاف إداري بل هو اختبار حقي للمشروع الدستوري الجديد ولحدود السلطة بين المركز والإقليم وبين المجالس المدنية والتنفيذيين فإما أن نحتكم لسيادة القانون والدستور الانتقالي لسنة 2025 ونغلق باب الاجتهادات التي تخلق فوضى دستورية أو أن نترك الباب مفتوحا أمام مزيد من التجاذبات التي تهدد استقرار الإدارات المدنية في وقت تحتاج فيه الولاية إلى تثبيت الأمن وتقديم الخدمات لا إلى صراعات حول الاختصاص
مواقف ومشاهد. شرق صراع خارج الحلبة
مقالات ذات صلة

