بقلم: عبدالله اسحق محمد نيل.
قال تحالف “السودان التأسيسي – تأسيس” الموالي لحكومة السلام الانتقالية إنه لن يشارك في الاجتماع الذي دعت إليه الآلية الخماسية في أديس أبابا في الأول من أغسطس المقبل. وبرر التحالف قراره في بيان بـ”أسباب تتعلق بطريقة إدارة الآلية الخماسية في المرحلة الاستكشافية، وكيفية تحديد مشاركة الأطراف، وما صاحبها من أوجه خلل تستدعي مراجعة شاملة للعملية السياسية برمتها وفق المرجعيات والأسس الموضوعية لتصميمها”، مع إبداء رغبته في الاجتماع مع الآلية في أقرب وقت ممكن.
وحسب البيان الذي أصدره التحالف فإن القرار يحمل أكثر من رسالة، ويضع العملية السياسية برمتها أمام مفترق طرق.
يبدو لي أن الموقف ليس قراءة عابرة للأحداث فحسب، بل هو محاولة لوضع الأمور في نصابها ودفع العملية السياسية في الاتجاه الصحيح. ولا يمكن فهم موقف “تأسيس” بمعزل عن ثلاثة ثوابت يحرك بها خطابه.
الثابت الأول التمسك بمرجعية سياسية واضحة. يرى التحالف أن أي عملية سياسية يجب أن تنطلق من الأسس التي تم التوافق عليها في “إعلان المبادئ” الذي وقع في فبراير 2025. لذلك طالب بـ “مراجعة شاملة وفق المرجعيات والأسس الموضوعية”. وأي محاولة لتفصيل عملية خارج هذا الإطار، أو إذابة الجميع في حوار عام يخدم قوى الردة والظلام، مرفوضة جملة وتفصيلا.
الثابت الثاني رفض الانتقائية في تحديد المشاركين. عبارة “كيفية تحديد مشاركة الأطراف” تمثل جوهر الاعتراض. يرى “تأسيس” نفسه طرفاً أصيلاً في الحرب، وبالتالي طرفاً لا يمكن تجاوزه في السلام. ويتهم الآلية بإدارة الدعوات بعقلية “نختار من نشاء”.
الثابت الثالث أن المقاطعة أداة ضغط لا قطيعة. ختم البيان بالتأكيد على “الرغبة في الاجتماع مع الآلية في أقرب وقت”. وهذا يعني أن الهدف ليس الانسحاب من المسار، بل تعديل قواعد الدعوة وشروط الجلوس قبل الدخول إلى أي قاعة.
ثانياً: لماذا قاطع “تأسيس” اجتماع الأول من أغسطس
في الواقع للمقاطعة ثلاثة دوافع مباشرة.
السبب الأول اعتراض إجرائي. يرى التحالف أن المرحلة “الاستكشافية” تدار بغموض، ولا توجد معايير واضحة لمن تتم دعوته ولماذا.
السبب الثاني تخوف استراتيجي. يتمثل في الخشية من أن يتحول الاجتماع إلى “ورشة تشاور” تنزع الشرعية عن “إعلان المبادئ” وتعيد العملية إلى المربع صفر تحت رعاية دولية.
السبب الثالث رسالة للقاعدة والإقليم. يريد التحالف إثبات أن “تأسيس” ليس تابعاً لأي مبادرة، وأنه يملك قرار المشاركة من عدمه، وأنه قادر على تعطيل أي مسار لا يراعي وزنه الميداني والسياسي.
ثالثاً: أهم الاتهامات الموجهة للآلية الخماسية
تواجه الآلية الخماسية المكونة من الاتحاد الأفريقي والإيقاد والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة أربعة اتهامات رئيسية من “تأسيس”.
الاتهام الأول غياب الشفافية ومعايير المشاركة. يتهم التحالف الآلية بإدارة العملية في الغرف المغلقة وعدم الإعلان عن الأسس التي تم بموجبها توجيه الدعوات، مما يفتح الباب للتكهنات والشك.
الاتهام الثاني الكيل بمكيالين. يرى التحالف أن الآلية تتعامل بانتقائية وتقرب أطرافاً على حساب أطراف أخرى، مما يضرب مبدأ “الشمول” الذي ترفعه.
الاتهام الثالث القفز على المرجعيات. وهو الاتهام الأكبر ويتمثل في محاولة تجاوز “إعلان المبادئ” والأسس التي تم التوافق حولها، والبدء بعملية جديدة قد تفرض أجندات لا تعبر عن واقع الصراع.
الاتهام الرابع تحويل العملية إلى إجراء شكلي. يتهم “تأسيس” الآلية بأنها تسعى لعقد اجتماع لتسجيل موقف دولي، أكثر من كونه بداية تفاوض جاد لوقف الحرب ومعالجة جذور الأزمة.
الكرة في ملعب الآلية الان وضعت مقاطعة “تأسيس” الآلية الخماسية في امتحان. فالاجتماع بدون طرف بحجم “تأسيس” سيخرج فاقداً للشرعية والتمثيل، وسيعمق الانطباع بوجود “مسارين” للسودان.
وفي المقابل، فإن استجابة الآلية لمطلب “المراجعة الشاملة” قد تفتح الباب أمام عودة التحالف وتوحيد المنبر.
الكلمة الأخيرة: لا عملية سياسية ذات معنى بدون معالجة أوجه الخلل، ولا سلام مستدام بدون احترام المرجعيات التي وقع عليها الجميع.

