مواقف ومشاهد. هرولة حكومة بورتسودان والبحث عن حمايةِ.

0
30
  عبدالله اسحق محمد نيل
  عبدالله اسحق محمد نيل

مواقف ومشاهد. هرولة حكومة بورتسودان والبحث عن حمايةِ.
بقلم: عبدالله اسحق محمد نيل.

بعد أن فقدت البوصلة، واشتدت عليها الضغوط النفسية والاجتماعية والاقتصادية والعزلة الدولية، بدأت حكومة بورتسودان المرتبطة بالجيش تهرول في كل الاتجاهات بحثاً عن حماية، وعن من ينقذها من الغرق الذي تصنعه بيدها كل يوم.

ذهب قائدها إلى روسيا، ليبيع ما تبقى من السودان في شواطئ البحر الأحمر، ظناً منه أن موسكو ستمنحه طوق نجاة، ولكنه عاد بخيبة أمل واضحة، فروسيا لا تشتري الوهم، ولا تضع بيضها في سلة حكومة محاصرة مهزومة.

ولم تمضِ أيام، حتى أرسل وزيري الخارجية والموارد المائية إلى مصر، ليجتمعا مع نظيريهما المصريين من أجل التنسيق حول المياه والموارد المائية، ووصلا إلى ما سمي بالتفاهمات يوم الاثنين الماضي، وهي أشبه ما تكون بالاستجداء والتبعية العمياء، وكأن حكومة بورتسودان تريد توجيه الضغط والاتهامات إلى الشقيقة إثيوبيا.

وحسبما ورد في وسائل الإعلام، فإن حكومة بورتسودان ذهبت تشتكي إثيوبيا إلى مصر، ومعروف أن مصر تريد أن تصعّد من عداوتها تجاه إثيوبيا. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه الآن: هل تستطيع مصر أن تفعل شيئاً ضد إثيوبيا من داخل السودان، غير الدعم الذي قدمته وما زالت تقدمه إلى فصائل التغراي المهزومة بواسطة الجيش الفيدرالي؟ وهل تستطيع مصر أن تدخل في مواجهة مع إثيوبيا في ظل الهزائم الكبيرة التي تلحق بالجيش وحركات الارتزاق في إقليم الفونج الجديد، وتقدم قوات حكومة السلام الانتقالية وتحالف السودان التأسيسي نحو العاصمة الدمازين؟

إن الاجتماع الرباعي الذي جمع وزيري الخارجية والموارد المائية والري في مصر والسودان، قيل إنه تجاوز حدود التنسيق الثنائي بشأن ملف المياه وسد النهضة، ليعكس حرص البلدين على توحيد الرؤى وتعزيز التشاور السياسي والاستراتيجي. ولكن الحقيقة أن هذا الاجتماع كان محاولة يائسة من بورتسودان لاستجداء غطاء خارجي، بعد أن أدارت المملكة العربية السعودية ظهرها لها بتوجيهات من الولايات المتحدة الأمريكية، وأدركت أن الرهان على الخارج قد انتهى.

فهل يا ترى ستفعل مصر شيئاً في ظل الظروف الراهنة لإنقاذ حكومة منهارة؟ وهل تجرؤ مصر على التدخل بشكل مباشر وهي تعاني من اقتصاد منهار، ومن أزمات داخلية، ومن فضائح متكررة، وفي مقدمتها حادثة مقتل السودانيين في منطقة شمال الوادي بمحلية جبيت الشهر الماضي، والتي كشفت حقيقة تعامل الأجهزة المصرية مع اللاجئين السودانيين؟

في الوقت الذي تهرول فيه بورتسودان بين موسكو والقاهرة بحثاً عن حماية، يواجه الاقتصاد السوداني أزمة إنسانية واقتصادية خانقة، وشحاً في المواد الغذائية والأدوية المنقذة للحياة، وشحاً في الوقود، وشبح مجاعة كبيرة تحيط بالسودان من كل الجهات. 19.5 مليون شخص يعانون من انعدام الأمن الغذائي، و5 ملايين في مرحلة الطوارئ، و825 ألف طفل مهددون بسوء التغذية الحاد الشديد، ومع ذلك تنكر حكومة بورتسودان وجود المجاعة، وتقول إن الوضع مطمئن.

إن من ينكر المجاعة، ومن يبيع موانئ بلاده، ومن يشتكي جيرانه عند الآخرين، لا يمكن أن يحمي دولة ولا أن يبني وطناً. فالسودان اليوم لا يحتاج إلى هرولة، بل إلى عقل، ولا إلى تبعية، بل إلى سيادة، ولا إلى حكومة تبحث عن حماية في الخارج، بل إلى حكومة سلام تبحث عن رضا شعبها في الداخل.

لقد انتهت لعبة الاستجداء، وبدأ العد التنازلي لحكومة تعيش على الإنكار، بينما الشعب يعيش على الجوع والصبر والمقاومة.