الثلاثاء, فبراير 17, 2026
الرئيسيةمقالاتميرغني أبشر يكتب :الأنيقة سناء حمد والقبعات الثلاث: أو كيف يعاد صياغة...

ميرغني أبشر يكتب :الأنيقة سناء حمد والقبعات الثلاث: أو كيف يعاد صياغة الوقائع ثم تقديمها كحقائق

في حديثها على الجزيرة مباشر قدمت سناء حمد نموذجاً مكثفاً لخطاب سياسي مرتبك يقوم على إعادة صياغة الوقائع بعد إسقاطها من سياقها التاريخي ثم إعادة تقديمها بوصفها حقائق بديهية. فحديث الأنيقة حمد ما وقف عند حد حكي السياسي المختلف فقد تعدى ذلك لمحاولة واعية منها لإعادة تعريف الثورة والحرب والانتقال والديمقراطية والخصوم بطريقة تخدم تياراً بعينه خرجت الجماهير لإزاحته.

ففي اتجاه يدعو إلى الدهشة مضت القيادية في الحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني سناء حمد في مقولة تتموضع برسوخ في خانة خطاب التبرير التاريخي حينما تحدثت عن «شجاعة» الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني في منح جنوب السودان حق تقرير المصير وحق الانفصال باعتباره وفق زعمها تعبيراً خالصاً عن إرادة الجنوبيين.
غير أن هذه الجزئية التي تبدو في ظاهرها ديمقراطية تنطوي على قدر كبير من التلفيقية أو التجاهل المتعمد لجذور المسألة الجنوبية. فقد تناست سناء حمد أن نزعة الانفصال لم تنشأ في فراغ وإنما جاءت نتاجاً مباشراً لتاريخ طويل من الإقصاء السياسي والثقافي والديني ولحروب أهلية قادتها حركات الكفاح المسلح في جنوب السودان ضد السلطة المركزية في الخرطوم.
والأمر هنا ليس محل اجتهاد فهو واقعة تاريخية قديمة وواضحة أشعلت جذوتها مجدداً قوانين سبتمبر حين لعبت الحركة الإسلامية دور «القدح المعلّا» في إعادة تنصيب الدكتاتور جعفر النميري بواجهة دينية وإضفاء شرعية إسلامية قسرية على نظامه. ومنذ تلك اللحظة بدأت الحركة الإسلامية عملياً لا نظرياً في دق أسافين الانفصال داخل الجسد السوداني حتى بلغت ذروتها مع إعلان دولة الإنقاذ ذات التوجهات الإسلامية الصريحة وفرض الشريعة الإسلامية بوصفها إطاراً وحيداً للحكم دون أي اعتبار للتنوع الثقافي والعرقي والديني الذي شكّل السودان تاريخياً.
كل هذه السياقات قفزت فوقها الأنيقة سناء حمد في حديثها على الجزيرة مباشر لتقدم انفصال الجنوب بوصفه «حقاً مشروعاً» و«احتراماً لإرادة شعب الجنوب» متناسية أن الطرف الرئيس المتسبب في الوصول إلى هذه النتيجة هو تيار سياسي بعينه لا يمثل الشعب السوداني ولم يمثله في أي لحظة ديمقراطية حقيقية بل جاء في موقع متأخر في آخر انتخابات حرة شهدتها البلاد.
وبقدر كبير من الصلف السياسي تتحدث الأنيقة سناء حمد عن فصل الجنوب كأنه «خطوة شجاعة» لا كنتيجة طبيعية لمسار إقصائي طويل فقد جرى الاستفتاء في ظل نظام استبدادي أحكم قبضته على البلاد لثلاثة عقود وادعى تمثيل الشعب بينما هو في الجوهر لا يحترم التعدد الثقافي ولا يقبل التنوع الديني ويسعى لفرض عقيدة واحدة وشريعة واحدة ونظرة أحادية للهوية السودانية.
الأخطر من ذلك أن عملية الانفصال نفسها لم تتم في ظروف طبيعية ولا في مناخ سياسي حر ولا تحت رقابة نزيهة مكتملة كما أنها جرت تحت رعاية تمثيل سياسي أحادي- تم قبلاً تصفية زعيمه الوحدوي- «الحركة الشعبية لتحرير السودان» وكأنها تمثل وحدها الإرادة الكاملة لشعب الجنوب وهي فرضية محل نظر.

وعليه فإن ما قدمته الأنيقة سناء حمد في هذا اللقاء لا يعدو كونه إعادة إنتاج لرواية تبريرية تسقط السياق التاريخي عمداً وتلبس قراراً سياسيا قسرياً ثوب «الإرادة الحرة». وهذه ليست سوى واحدة من الأكاذيب الكبرى في خطابها التي عمدت فيها على قلب الحقائق وإعادة صياغة التاريخ على مقاس السلطة التي صنعت الأزمة ثم ادعت الشجاعة في الاعتراف بنتائجها.
الأكذوبة الثانية التي قدمتها الأنيقة سناء في حديثها حين طُرحت عليها المسلمة المنطقية القائلة: إن من كان جزءاً من المشكلة لا يمكن أن يكون جزءاً من الحل لتقفز وبثبات صلفي فج لادعاء مفاده أن الحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني لم يكونا أصلا جزءاً من المشكلة وبالتالي فلهما وفق هذا المنطق كامل الحق في الجلوس على طاولة الحل.

هذا المستوى من الاستغفال السياسي بلغ حداً يجعل السكوت عليه أكرم من مجاراته إذ يفترض ضمنياً أن الأزمة السودانية نشأت فجأة بعد ثورة ديسمبر المجيدة وكأن قوات الدعم السريع هبطت من فراغ تاريخي لا بوصفها نتاجاً مباشراً لمسار طويل من هندسة العنف داخل الدولة جرى خلال سنوات سيطرة الحركة الإسلامية على السلطة.

فالدعم السريع لم يكن طارئاً على بنية الصراع فمن المعروف أنه نشأ كقوة مسلحة موازية للجيش في سياق واع لتفكيك المؤسسة العسكرية الوطنية وتسليح كيان جديد تسليحاً يفوق في كثير من الأحيان تسليح القوات المسلحة نفسها بينما كان الجيش يهمل ويضعف عمداً. والمفارقة الفادحة التي تستدعي الدهشة أن ذات التيار الذي أضعف الجيش بالأمس يخرج اليوم ليبشر بضرورة أن يكون الجيش «عماد أي عملية سياسية قادمة» متذرعاً بما كشفته الحرب من أهمية هذه المؤسسة التي عمل على إفراغها من مضمونها لعقود.
والأدهى من ذلك أن الأنيقة سناء حمد تجاهلت أو تناست عن عمد حقيقة أن الدعم السريع ولادة إسلامية خالصة أنشئ بقرار جمعي من الحركة الإسلامية فكان بذلك أصل المشكلة لا هامشها. وهذه هي النقطة الأولى.

أما النقطة الثانية فهي الافتراض الوقح بأن الدعم السريع لم يكن الحليف الرئيس في الانقلاب على الحكومة الانتقالية برئاسة عبد الله حمدوك – وقد اعتذر قائده علناً عن ذلك – وكأن الانقلاب حدث بلا فاعل وبلا شريك وبلا بنية سياسية وفرت له الغطاء والشرعية.
وفي الوقت الذي تزعم فيه الأنيقة أن حركتها «ليست جزءاً من المشكلة» تتجاهل في تناف صارخ مع الواقع الدور الموثق للفصائل الإسلامية في إطلاق الشرارة الأولى لهذه الحرب والدعوة العلنية إليها والتمهيد لها عبر الخطب الرمضانية ومنابر التحريض وحملات التعبئة الواضحة التي شهدها القاصي والداني ورآها السودانيون جميعا على منصات التواصل الاجتماعي حيث كان يجري التحريض الصريح على إسقاط أي مسار سياسي ومحاربة أي اتفاق يدعو لإنهاء الانقلاب.
فكيف والحال هذه يمكن لتيار صنع الأزمة وربى أدواتها ومهد لحربها ثم شارك في تفجيرها أن يدعي بوجه بارد أنه لم يكن جزءاً من المشكلة.
إن هذا الادعاء لا يصمد أمام الوقائع ولا أمام الذاكرة الجمعية للسودانيين ولا أمام تسلسل الأحداث نفسه و يكشف واضحاً عن محاولة يائسة لإعادة تدوير الجناة بوصفهم «حكماء الحل» وهي محاولة لم تعد تنطلي إلا على من قرر طوعاً تعطيل عقله.

المفارقة العجيبة التي وقعت فيها انيقتنا تجلت في حالة واضحة من الاهتزاز والالتباس السياسي حينما وجه إليها سؤال مباشر حول الاتهامات التي تطلقها الدولة وحكومة الأمر الواقع ضد قوى تحالف صمود بوصفها «عميلة للغرب» و«حليفة لقوات الدعم السريع» وغيرها من مفردات التخوين الجاهزة.
عند هذه النقطة تحديداً بدا الارتباك جلياً إذ خرجت سناء فجأة من موقعها كقيادية في الحركة الإسلامية وقدمت نفسها بوصفها «شخصية سياسية» وكأنها غير معنية بخطاب التخوين الرسمي أو غير منخرطة فيه. غير أنها وفي اللحظة ذاتها أقرت ضمنيا برؤية حكومة الأمر الواقع للصمود باعتبارها حالة خائنة ولم تتبرأ من هذا التوصيف .
ثم عادت في مفارقة إضافية لتدعو إلى الحوار وتقول إنه لا مانع من الجلوس مع مكونات صمود شريطة أن تعلن «لا للحرب» وفق اشتراطات محددة. وهنا يتكشف جوهر الارتباك كيف يمكن الجمع بين اعتبار كيان سياسي «خائناً» و«عميلاً» ثم فتح الباب في الوقت نفسه للحوار مع مكوناته وكيف يستدعى منطق الحوار دون التراجع الصريح عن خطاب التخوين.
هذه الحالة كشفت أن الأنيقة سناء حمد كانت ترتدي أكثر من قبعة وهي تتحدث في هذا المبحث. هل كانت تتحدث بصفتها سياسية مستقلة أم بصفتها قيادية في الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني أم بصفتها لسان حال المؤسسة العسكرية الحاكمة في الخرطوم؟.
فبدت كمن يبدل القبعات تباعاً تلبس قبعة ثم تخلعها تستعير أخرى ثم تتبرأ منها وفي لحظات معينة تحاول ارتداء القبعات الثلاث دفعة واحدة قبل أن تتعثر في تناقضاتها وتترك واحدة فقط على عجل. هذه السيولة المربكة في تحديد الموقع ليست تفصيلاً شكلياً ولكنها تعبر عميقاً عن أزمة خطاب.
الإضافة المهمة هنا أن الأنيقة سناء حمد لم تقل إنها ترفض الحوار مع صمود مطلقاً وإنما تبنت تكتيكا قائماً على تفكيك الكتلة. القبول بالجلوس مع مكونات منفردة ورفض التعامل مع التحالف ككيان واحد هو أسلوب سياسي معروف هدفه تفكيك القوة الجماعية عبر بيانات ثنائية وانتزاع مواقف جزئية. هذا الأسلوب سبق به الحزب الشيوعي ويعاد إنتاجه اليوم مع القوى المدنية لإسقاط تجمعها وتهميش حمدوك. وهي ليست دعوة لحوار وإنما محاولة لهندسة التوازنات من موقع قوة.
والحق أن هذا الالتباس ليس حالة فردية معزولة فهو سمة ملازمة للتيار الإسلامي عموماً ارتباك في تعريف الذات وتذبذب في المواقف وعجز مزمن عن اتخاذ موقف سياسي واضح ومبدئي. فهو تيار اعتاد التحرك بين الدولة والظل بين الخطاب الديني والخطاب البراغماتي دون أن يحسم موقعه أو يتحمل كلفة موقف صريح.
وعليه فإن ما ظهر في حديث الأنيقة يعد انعكاساً أميناً لأزمة بنيوية في خطاب الحركة الإسلامية نفسها خطاب يريد إدانة الخصوم وفتح باب الحوار معهم في آن واحد يريد احتكار الوطنية دون التخلي عن منطق الإقصاء ويريد أن يبدو سياسياً بينما يظل أسيراً لذهنية الوصاية والتخوين.
أما أخطر ما تفوهت به أنيقتنا فهو توصيفها لثورة ديسمبر بأنها «ثورة مصنوعة». وحينما وجهت بحقيقة خروج جماهير الشعب السوداني في كل المدن والقرى لجأت إلى حيلة خطابية مكشوفة مفادها أن «ليس كل التفاعلات حقيقية» وأن الزخم الشعبي الذي رافق الثورة لم يكن طبيعياً «مدعوماً من وراء ستار» و«مفبركاً».
هذه مغالطة فجة لا تصمد أمام وقائع ديسمبر المجيدة ولا أمام التضحيات. فالثورة التي خرجت لإسقاط حكم الحركة الإسلامية إلى الأبد لا يمكن اختزالها في مقولة المؤامرة الرخيصة إلا إذا كان الهدف هو نزع الشرعية عنها بأثر رجعي تمهيداً لإعادة تسويق الفاعلين الذين أطاحت بهم الجماهير.
والأكثر فجاجة في هذا الخطاب أن الأنيقة سناء وفي الوقت ذاته تعلن أن الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني لا يريدون المشاركة في فترة انتقالية فهم يطالبون بالاحتكام المباشر إلى صناديق الاقتراع والانتخابات. أي أنهم يريدون القفز فوق جوهر الثورة وتجاوز المرحلة الانتقالية والدستور الانتقالي والمواثيق السياسية التي أسست تحديداً لإبعاد هذا التيار عن إعادة إنتاج نفسه سياسياً.
وهنا تكمن المفارقة الأخلاقية والسياسية الكبرى. هذا التيار لا يؤمن بالديمقراطية أصلاً وقد انقلب عليها صراحة وأسقط النظام الديمقراطي بالقوة وحكم البلاد ثلاثين عاماً بالاستبداد. فبأي منطق يكافأ من انقلب على الديمقراطية بالمشاركة في عملية ديمقراطية وكيف يعقل أن تمنح الثورة التي قامت ضده شرعية سياسية جديدة عبر الانتخابات.
الأمر لا يقف عند هذا الحد. فخلال ثلاثين عاما عملت الحركة الإسلامية على تفريغ الحياة الحزبية وتسييس الأحزاب وإضعاف القوى المدنية وتجفيف مصادر تمويلها بينما راكمت هي المال العام وهيمنت على الاقتصاد وبنت أجهزة إعلامية ضخمة واحتفظت بتنظيم محكم لم يفكك. وبالتالي فهي ترى نفسها اليوم جاهزة لخوض أي انتخابات قادمة مستندة إلى مال السلطة وشبكات النفوذ وبقايا الدولة العميقة.
من هنا نفهم لماذا تسعى هذه المجموعة بإصرار محموم إلى حجز موقع سياسي في مرحلة ما بعد الحرب ولماذا أشعلت الحرب أصلاً لأن العودة عبر الفوضى أسهل من العودة عبر الإرادة الشعبية. لكن هذا ما لا ينبغي أن يتأتى لهم لأن إشراك من انقلب على الديمقراطية وأسقط الفترة الانتقالية وأشعل الحرب في أي عملية تحول مدني لاحقة هو مكافأة للجريمة وإعدام للمنطق السياسي.
ثم تأتي في حديثها لمسألة لا تقل خطورة عن سابقاتها حين تعلن الأنيقة سناء حمد بوضوح أنهم لا يفصلون الدين عن السياسة متجاهلة أن كل مواثيق الفترة الانتقالية وكل أهداف ثورة ديسمبر قامت على مبدأ واضح لا مكان لأحزاب سياسية دينية ذات مشروع عقدي أيديولوجي في العملية السياسية المقبلة.
وتحاول في هذا السياق التلاعب بالمقارنة عبر الإشارة إلى «أحزاب غربية ذات مرجعية دينية». غير أن هذا القياس مضلل لأن تلك الأحزاب تحتكم دون استثناء إلى دساتير مدنية ديمقراطية علمانية ولا تسعى لفرض شريعة دينية أو قوانين عقدية على المجتمع.
والنموذج الأوضح على ذلك هو حزب العدالة والتنمية في تركيا حزب ذو جذور إسلامية وصل إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع لكنه لم يفرض الشريعة الإسلامية ولم يحول الدولة إلى كيان ديني فهو يحتكم إلى الدستور التركي العلماني وصار مهما اختلفنا معه جزءاً من العملية الديمقراطية لا نقيضا لها.
هذا الفارق الجوهري غاب أو أغفل عمداً عن خطاب سناء حمد. فهي لا تريد حزباً مدنياً بمرجعية ثقافية وإنما تريد مشروعاً دينيا سلطوياً يعيد إنتاج الوصاية باسم العقيدة وهو تحديداً ما خرجت الثورة لإسقاطه.
وعليه فإن وصف الثورة بالمصنوعة والمطالبة بالقفز على الانتقال ورفض فصل الدين عن السياسة لهو ملامح مشروع نقيض للثورة ونقيض للديمقراطية ونقيض للدولة المدنية. ومثل هذا المشروع لا يناقش على طاولة السياسة إنما يوضع في موضعه الطبيعي خارج أي أفق لتحول ديمقراطي حقيقي.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات