د التوم حاج الصافي زين العابدين .خبير العلاقات الدولية .نيويورك .
في لحظة سياسية خانقة يبحث فيها السودان عن قيادة تمتلك رؤية وقدرة ومسؤولية، تعود إلى الواجهة ظاهرة إعادة تدوير الوجوه الضعيفة ودفعها إلى مقدمة المشهد، لا لخدمة الوطن بل لخدمة منظومات اعتادت أن تتحرك من خلف الستار. وقد جاء اندفاع كامل إدريس نحو المناصب مثالاً صارخاً لهذا النمط؛ تهافت مكشوف على الكرسي قبل أي مشروع أو رؤية أو قدرة على الفعل، وكأن حضور الرجل في المنصب هو الغاية بينما الوطن نفسه يختنق تحت ركام الحرب.
هذا التهافت لا يرفع صاحبه، بل يفضحه. فالفراغ السياسي لا يُملأ بالطموحات الشخصية ولا بالخطابات الملساء، بل يملأه من يمتلك ثباتاً في الموقف ورؤية حقيقية للبلد. كان واضحاً منذ اللحظة الأولى أن الأمر لا يتعلق بمشروع وطني، بل بسباق شخصي نحو موقع، مهما كان الثمن ومهما كانت النتيجة.
ولم يكن الأمر بعيداً عن اللعبة القديمة التي يتقنها الكيزان وبعض العسكر؛ فهم خبراء في صناعة “الواجهة الضعيفة” التي تصلح للعرض أمام الناس بينما القرار الحقيقي يخرج من أماكن أخرى. الشخصيات التي تُختار لهذه الأدوار ليست ذات موقف أو تأثير؛ إنها ببساطة قابلة للتوجيه، تُرفع للأمام بينما يظل المتحكمون في الخلف يمسكون بالخيوط ويحددون المسار. إنها منهجية راسخة: دعمٌ ظاهري، إدارةٌ من خلف الستار، وتقديم واجهة سياسية بلا قوة ولا حضور لتتحمل اللوم، بينما المستفيدون الفعليون يواصلون الإمساك بالسلطة دون مسؤولية مباشرة.
وقد أثبتت التجربة أن الرجل لا يملك من أدوات القيادة ما يؤهله للعبور ببلدٍ منكوب إلى بر أمان. غاب الحضور، غابت الرؤية، وغابت القدرة على صياغة موقف واحد يعكس إدراكاً لحجم الكارثة التي يعيشها الشعب. في فترة كان الناس فيها يترقبون موقفاً يعيد إليهم شيئاً من الثقة، لم يظهر ما يشي بقدرة على مواجهة الواقع أو حتى فهمه.
وفي موازاة ذلك، تتواصل أسطورة الوصاية العسكرية التي انهارت بالكامل حين كشفت الوقائع ما حدث فعلاً: مدن تُركت للمصير وحدها، أرواح أُهدرت بلا حماية، نساء تُركن في وجه الهجوم، وأحياء سقطت بلا مقاومة. الخطاب العسكري ظل يكرر حديث الحماية والبطولة، لكن الواقع كان يصرخ بالعكس تماماً. فمن ادعى القدرة على حماية الوطن كان جزءاً من تركه في العراء.
أما الإعلام، فكان الساحة الأكثر اختراقاً من قبل أبواغ الكيزان التي تمددت فيها بدعم غير محدود من منظومة الصناعات الدفاعية التي تحمل زوراً اسم الجيش بينما هي عملياً ذراع تنظيمية صرفة. هذه الأذرع لم تترك فراغاً إلا ملأته بالتضليل والتدليس، ولم تترك مساحة إلا استغلتها لصناعة سرديات تخدم مصالحها. إنها مجموعة من الانتهازيين تنتظر جثة الوطن على الضفة الأخرى، لا يعنيها المصير بقدر ما يعنيها نصيبها من الغنيمة. وفي قاموس هؤلاء، لا يُحرم شيء ولا يُمنع شيء إلا في الخطاب. أما في الواقع فكل شيء مباح طالما يخدم بقاءهم؛ الدين عندهم شعار يُرفع، لا مبدأ يُطبّق، وثوب يُرتدى تجارة ونفاقاً لا إيماناً أو التزاماً.
ومع تزايد الفشل، اتجهت هذه المنظومات إلى صناعة تماثيل وشعارات وبطولات ورقية، محاولة لتغطية العجز السياسي والأخلاقي الذي صار أوضح من أن يُخفى. فالتماثيل لا تغطي جثة سياسية، والشعارات لا تنقذ منظومات فقدت صلاحيتها التاريخية.
وهكذا يقف السودان اليوم أمام لحظة وعي جديدة. لم يعد الشعب ذلك الجمهور الذي يُخدع بسهولة، ولا الواجهات الضعيفة قادرة على حمل مشروع يتجاوز حجمها. لقد سقطت الوصاية، وسقطت معها الأقنعة، وسقطت كل المحاولات التي تحاول إعادة إنتاج الخراب عبر وجوه قديمة أو أخرى أضعف منها. إن الوطن يتغير، والناس تتغير، والتاريخ الآن يكتب فصلاً جديداً لن يكون فيه مكان لمن يريدون حكم بلدٍ لا يرونه إلا غنيمة، أو منصة، أو وسيلة للعودة من الأبواب الخلفية.

