ذو النون سليمان، وحدة الشؤون الافريقية، مركز تقدم للسياسات
تقديم:
كشفت تصريحات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أمام الكونغرس عن عمق الأزمة التي تواجهها واشنطن في التعامل مع الصراع السوداني، إذ وصف الوضع بأنه “محبط”، في اعتراف ضمني بمحدودية النفوذ الأمريكي على مسار حرب باتت تتشابك فيها مصالح إقليمية متعارضة تتخطى حدود ما تملك الولايات المتحدة من أدوات ضغط وتأثير.
في جلسة الاستماع أمام لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب بشأن طلب ميزانية وزارة الخارجية للسنة المالية 2027، قال ماركو روبيو: “إن الانقسامات بين الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية عقدت حقاً قدرتنا على إنهاء هذا الصراع”. وأضاف أن السودان “للأسف تحول إلى حرب بالوكالة بين عدة دول”. وأوضح أن تركيز الإدارة الأميركية ينصب حالياً على تحديد مدينتين، أو أربع مدن بواقع مدينتين لكل طرف، لتكون مراكز لتوزيع المساعدات الإنسانية. لكنه أردف قائلاً: “ما يثير الإحباط حقاً في السودان هو أن أحد الطرفين يوافق على أمر ما ثم لا يلتزم به”.
التحليل:
من دبلوماسية الحل إلى اعتراف بالعجز:
وصف وزير الخارجية الأمريكي الوضع في السودان بأنه “محبط” ليس مجرد تعبير دبلوماسي عابر، بل هو إقرار ضمني بأن واشنطن فقدت قدرتها على التأثير الفعّال في مسار هذه الأزمة. فالقوى الإقليمية التي تخوض حرب الوكالة على الأرض السودانية باتت تتحرك باستقلالية تتجاوز ما تملك واشنطن من أدوات لتقييده أو توجيهه.
والأكثر دلالة من ذلك أن روبيو أقدم على خطوة نادرة حين سمّى الانقسام الإماراتي-السعودي صراحةً أمام الكونغرس، في حين تتحاشى واشنطن عادةً الإفصاح العلني عن الخلافات بين حلفائها الخليجيين حرصاً على تماسك المنظومة الإقليمية التي ترعاها. هذا الخروج عن المألوف يحتمل تفسيرين لا يتعارضان: إما أن الانقسام بلغ من العمق حداً لا يمكن معه الإخفاء أو المراوغة الدبلوماسية، وإما أن واشنطن تسعى إلى توزيع المسؤولية عبر الإحالة إلى عوامل خارج نطاق سيطرتها. وكلا الاحتمالين يكشف عن ضعف الموقف الأمريكي إزاء السودان لا قوته.
أبعاد الانقسام الإماراتي-السعودي في السودان:
بحسب التقديرات في واشنطن، لم يعد الخلاف بين الرياض وأبو ظبي مجرد تنافس على النفوذ، بل تحول إلى مواجهة مباشرة على الساحة السودانية، يمثل الجيش وقوات الدعم السريع طرفيها.. وتشير التقارير إلى أن التوتر بين القوتين الخليجيتين تجاوز السودان إلى اليمن، حيث قصفت السعودية في ديسمبر/كانون الأول 2025 شحنة أسلحة إماراتية كانت في طريقها إلى المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من أبو ظبي. ويُنظر إلى هذا التصعيد باعتباره انعكاساً لرؤيتين متباينتين للنظام الإقليمي: رؤية سعودية تقوم على استقرار أجهزة الدولة انطلاقاً من أولويات مرتبطة بأمنها الإقليمي وحماية الممرات البحرية والاستقرار الاقتصادي، وأخرى إماراتية ترى أن الدولة الوطنية تعاني من أزمات بنيوية بسبب سيطرة تيارات الإسلام السياسي التي تهدد مصالحها في المنطقة، تدفعها لدعم جماعات وكيلة لإعادة تشكيل التوازنات السياسية.
خلو التصريحات من آليات ضغط جديدة:
في سياق متصل، خلت تصريحات روبيو من أي إشارة إلى عقوبات على الدول الداعمة للأطراف المتحاربة، ومن أي آلية ضغط جديدة، وهو ما يعكس التناقض مع مشاريع قوانين طُرحت في الكونغرس، مثل “قانون المشاركة الأميركية من أجل السلام في السودان” (U.S. Engagement in Sudanese Peace Act) الذي قدمه النائب غريغوري ميكس. هذا القانون يدعو إلى فرض عقوبات على قيادات الجيش السوداني والدعم السريع، وتوسيع حظر الأسلحة، وتعيين مبعوث أميركي خاص للسودان. لكن حتى الآن، لا توجد مؤشرات على أن الإدارة الحالية تتبنى هذه التوصيات، مما يعني أن السياسة الأمريكية تجاه السودان تدور في حلقة مفرغة: اعتراف بالفشل دون استعداد للمضي نحو تغيير قواعد اللعبة.

تجميد المساعدات الأميركية: ضربة قاصمة للعمل الإنساني:
في خطوة زادت الطين بلة، أدى قرار الرئيس ترامب في 20 يناير 2025 بتجميد المساعدات الخارجية إلى إغلاق برامج إنسانية حيوية في السودان. وبحسب تقارير بحثية، أغلقت 742 مطبخاً في الخرطوم كانت تخدم حوالي 816 ألف شخص، وهو ما هدد قدرة غرف الطوارئ المحلية (Emergency Response Rooms) على تقديم خدمات إنقاذ الحياة. وتأتي هذه الضربة في وقت كانت فيه الولايات المتحدة أكبر مانح للمساعدات الإنسانية للسودان، حيث قدمت أكثر من 2.3 مليار دولار منذ بدء السنة المالية 2023. ولكن تجميد هذه المساعدات حالياً يترك ملايين السودانيين دون سند، ويعكس كيف أن التحولات في السياسة الداخلية الأميركية يمكن أن يكون لها تأثير كارثي فوري على أرض الأزمة.
الخلاصة:
تعكس تصريحات وزير الخارجية تركيز الإدارة الأميركية المتزايد على المسار الإنساني (تحديد مدن لتوزيع المساعدات) بدلاً من المسار السياسي، تحولاً في أولوياتها من السعي إلى إنهاء النزاع إلى إدارة تداعياته الإنسانية فحسب. وهذا يشير إلى إقرار ضمني بصعوبة، بل استحالة، التوصل إلى تسوية سياسية في المدى المنظور، بما يعني عملياً استمرار الحرب واستمرار السياسة الأميركية في التعامل مع نتائجها بدلاً من معالجة أسبابها.
إقرار روبيو بأن جوهر الأزمة يكمن في تحوّل الصراع السوداني إلى ساحة تنافس إقليمي، لا سيما بين الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، عبر وكلاء محليين على الأرض ، يجعل مستقبل الحرب رهيناً بمفاعيلها الإقليمية وليس بالإرادة الأميركية. مع غياب مبعوث أميركي خاص، وتجميد المساعدات، تثبت واشنطن أن السودان لم يعد على رأس أولوياتها، بل أصبح ورقة تفاوضية في صراعات كبرى مع حلفائها.

