وليد معروف يكتب : مقابر السودانيين في مصر… لماذا لا تكون لنا مقبرة وطنية؟

0
4
وليد معروف يكتب : مقابر السودانيين في مصر… لماذا لا تكون لنا مقبرة وطنية؟
وليد معروف يكتب : مقابر السودانيين في مصر… لماذا لا تكون لنا مقبرة وطنية؟

لم يأتِ السودانيون إلى مصر بحثاً عن قبور، بل جاءوا بحثاً عن النجاة. حملوا أسرهم وأحلامهم، وتركوا خلفهم بيوتاً ينتظرون العودة إليها حين تنتهي الحرب. لكن بعضهم طال به المقام، وبعضهم باغته المرض، وبعضهم رحل قبل أن يرى وطنه آمناً من جديد.

ما أوجع أن يموت الإنسان بعيداً عن أرضه، فلا يجد حوله أهله وأصدقاءه، لولا نخوة سودانيين غرباء عنه، جمعهم به وطن واحد ووجع واحد. يأتون لتشييعه، ويحملون نعشه، ويقفون إلى جواره في لحظاته الأخيرة، كأنهم يقولون لأسرته: لن نترك فقيدكم وحيداً.

وفي مقابر بلبيس، شرق القاهرة، تتكرر المشاهد؛ جنازة سودانية بجوار أخرى، وقبر يجاور قبراً، حتى تبدو المقابر، في صمتها، كأنها خريطة أخرى للسودان، رسمتها الحرب خارج حدوده.

وقد نقلت هذه الشهادة من مقال الأخ حسبو إبراهيم وهو ما لفت النظر للأمر بعد ان تحدث الي أحد عمال المقابر أن عدد السودانيين المدفونين في بلبيس وحدها يتجاوز عشرة آلاف، وهو رقم يحتاج إلى تحقق، لكنه يفتح باباً لسؤال أكبر: كم سودانياً انتهت رحلته في مصر، وفي سائر البلدان التي لجأ إليها هرباً من الحرب؟

وهنا يبرز سؤال لا ينبغي أن يغيب عن الحكومة السودانية: لماذا لا تعمل على شراء مقبرة كاملة في مصر، أو تخصيص أرض واسعة تكون مقبرة وطنية للسودانيين؟

لماذا لا تكون للسودانيين مساحة تحفظ كرامة موتاهم، وتجمع قبورهم في مكان معروف، وتصون حقوق أسرهم في الزيارة والرعاية، بدلاً من أن تتوزع قبورهم بين مدافن متفرقة، وفقاً لقدرة كل أسرة وظروفها؟

لقد أقامت دول كثيرة مقابر عسكرية وتذكارية خارج حدودها لجنودها الذين ماتوا في الحروب، ومن أشهر الأمثلة المقابر العسكرية البريطانية في بلدان أوروبية، التي ما زالت شاهداً على الحروب وذاكرةً لمن فقدوا حياتهم بعيداً عن أوطانهم. صحيح أن ظروفها القانونية والتاريخية تختلف عن حالة السودانيين، لكن المبدأ يستحق التأمل: أن مسؤولية الوطن عن أبنائه لا ينبغي أن تنتهي عند حدود الجغرافيا، ولا عند لحظة الموت.

ولا يعني ذلك بالضرورة دفن جميع السودانيين في مكان واحد؛ فلكل أسرة حقها في الاختيار، ولكل متوفى ظروفه ووصيته. لكن وجود مقبرة وطنية منظمة، تُدار بالتنسيق مع السلطات المصرية، وتُتاح فيها المدافن مجاناً أو بتكلفة ميسرة، سيكون بادرة إنسانية تستحق الاهتمام.

ويمكن أن تتبنى السفارة السودانية المشروع، بالتعاون مع الجالية ورجال الأعمال والمنظمات الخيرية، وأن تبدأ بحصر الاحتياجات، والتحقق من الأعداد، ودراسة تكاليف الأرض وملكيتها وشروط تخصيصها وإدارتها.

فإذا كانت الحرب قد فرّقت السودانيين أحياءً، فلا أقل من أن يحفظ لهم وطنهم حقهم في الكرامة أمواتاً.

ليس المطلوب أن نعيد الموتى إلى السودان جميعاً، بل ألا يشعر سوداني مات في الغربة أن وطنه نسيه، وأن أسرته تُركت وحدها في مواجهة الفقد.

رحم الله موتانا، وردّ السودان إلى أهله آمناً، وأوقف هذه الحرب التي لم تكتفِ بتدمير البيوت وتشريد الأحياء، بل باتت تكتب فصول مأساتها على شواهد القبور أيضاً.
وليد معروف