الأربعاء, مايو 6, 2026
الرئيسيةاخبار سياسيةإعادة ضبط العلاقات الأمريكية–الإريترية: قراءة في الدوافع والتداعيات الإقليمية

إعادة ضبط العلاقات الأمريكية–الإريترية: قراءة في الدوافع والتداعيات الإقليمية

ذو النون سليمان، وحدة الشؤون الأفريقية – مركز تقدم للسياسات
تقدير موقف:
تقديم: كشفت صحيفة وول ستريت جورنال في الثالث والعشرين من أبريل 2026 أن إدارة ترامب تدرس إعادة ضبط علاقاتها مع إريتريا وتخفيف بعض العقوبات المفروضة عليها منذ عقود. وتجيء هذه الخطوة في سياق تصاعد الصراع على أمن الملاحة في البحر الأحمر ومضيق هرمز، لتحوّل أسمرة من دولة معزولة في هامش الاهتمام الأمريكي إلى ورقة استراتيجية في قلب المعادلة الجيوسياسية. غير أن هذا المسار ينطوي على مخاطر إقليمية بالغة التعقيد، في مقدمتها احتمال إشعال فتيل مواجهة مسلحة بين إريتريا وإثيوبيا، وتوظيف الرئيس أسياس أفورقي لهذا الانفتاح لتعزيز سلطته الداخلية دون تقديم تنازلات استراتيجية حقيقية.
أولاً: السياق والخلفية:
تسيطر إريتريا على ما يزيد على 1,120 كيلومتراً من ساحل البحر الأحمر، في مجاورة مباشرة لأحد أخطر ممرات الملاحة الدولية. وقد اكتسب موقعها أهمية استثنائية في ظل تصاعد التهديدات الحوثية على مضيق باب المندب، فيما تسعى طهران إلى تقييد الملاحة في مضيق هرمز منذ اندلاع مواجهتها مع الولايات المتحدة. وفق التقارير، قام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي برعاية لقاءً سرياً بين مبعوث ترامب مسعد بولوس والرئيس الإريتري أفورقي في القاهرة، تناول تخفيف العقوبات وفتح قنوات دبلوماسية على مستوى أعلى. وتجدر الإشارة إلى أن إريتريا تُعدّ الدولة الأفريقية الوحيدة التي رفضت الانخراط مع قيادة أفريكوم وصندوق النقد الدولي، وظلت من أشد الدول المُعاقَبة أمريكياً، إذ استُبعدت حتى من منظومة SWIFT للتحويلات المالية الدولية.
ثانياً: الدوافع الأمريكية:
تسعى واشنطن إلى تحويل إريتريا إلى “حصن في مواجهة النفوذ الإيراني”، مستندةً إلى ساحلها الممتد على البحر الأحمر الذي يمر عبره نحو 13% من النفط العالمي، وإلى موقعها المقابل لمنطقة نشاط الحوثيين. وفي وثيقة استراتيجية الأمن القومي الأمريكي الأخيرة، لم تُدرج إريتريا تحت أي تصنيف إرهابي أو في خانة أولويات حقوق الإنسان، بل جرت الإشارة إليها في سياق منع الصراعات لا التدخل، في إشارة إلى إعادة تأطير جوهري في الموقف الأمريكي. وتعكس هذه الخطوة في جوهرها تبنّي إدارة ترامب مقاربة قائمة على المصلحة الاستراتيجية الصرفة بمعزل نسبي عن منظومة القيم، وهو نهج يتسق مع سلوكها في ملفات إقليمية أخرى. بيد أن ثمة انقساماً داخل الإدارة بين تيار براغماتي يدفع نحو التطبيع السريع، وآخر يرى أن أي انفتاح غير مشروط سيُضعف أوراق الضغط الأمريكية ويُرسل رسالة خاطئة إلى الأنظمة الاستبدادية في المنطقة.
ثالثاً: الحسابات الإريترية:
أبدى أفورقي انفتاحاً على التعامل مع الولايات المتحدة بصورة مختلفة في مرحلة رئاسة ترامب، مستشعراً فرصاً نادرة للخروج من العزلة الدولية. غير أن التاريخ يكشف أنه أتقن فن استخدام الجميع دون الانحياز لأحد، وسيسعى لانتزاع أكبر قدر من المكاسب المادية والدبلوماسية مع الإبقاء على هامش واسع من الاستقلالية الاستراتيجية. وتمنحه هذه الخطوة ورقة ضغط داخلية وإقليمية بالغة القيمة في ظل ضغوط متراكمة جراء العزلة الاقتصادية المطوّلة، مع احتمال كبير أن يُكرر نمطه التاريخي في الأخذ دون العطاء.
رابعاً: التداعيات الإقليمية:
تُشكّل ردة فعل أديس أبابا المتغير الأكثر حساسية في هذه المعادلة. فتفاقم التوترات حول الوصول إلى البحر وعلاقات أسمرة مع الجماعات المعارضة للحكومة الإثيوبية يرفعان من احتمالية اندلاع مواجهات على طول الحدود قد تتصاعد بسرعة إلى مواجهة عسكرية أشمل. وقد وصف أبي أحمد الحبسَ الجغرافي الإثيوبي بـ “السجن”، وباتت استعادة ميناء عصب مطلباً يحظى بتأييد شعبي واسع يتجاوز الانتماءات السياسية، فيما رُصدت تحركات عسكرية نحو الحدود مع خطاب تعبوي متصاعد. ولا تزال القوات الإريترية تحتل مناطق داخل الحدود الإثيوبية ت الاستيلاء عليها إبان حرب تيغراي، رغم المطالبات الأممية بالانسحاب، فيما تُحكم أسمرة علاقاتها مع فصائل معارضة في تيغراي. وفي السياق ذاته، يُضاف بُعد سوداني لا يمكن إغفاله؛ إذ تعمل إيران على توظيف نفوذها على الساحل السوداني في البحر الأحمر لتعزيز حضورها في الممر البحري، مما يُعقّد الحسابات الأمريكية ويجعل أي معادلة أمنية أحادية البعد قاصرة. كما ستُعيد هذه الخطوة رسم حسابات الصومال وجيبوتي اللتين تربطهما بكل من واشنطن وأسمرة علاقات متشعبة ومتناقضة.
خامساً: نقد الاستراتيجية الأمريكية:
يرى المنتقدون في معاهد بحثية بارزة أن المنطق الاستراتيجي “مفهوم نظري، لكنه كارثي في التطبيق”، محذرين من أن رفع العقوبات عن إرتريا قد يُفضي إلى هزيمة استراتيجية أمريكية. ويستحضر هؤلاء مصير القذافي كتحذير تاريخي، مؤكدين أنه لم يسقط لأنه رفض الانخراط مع الغرب، بل لأنه قبِل به، وأن واشنطن تنتهج نمطاً متكرراً مع الدول الأفريقية، بالعزل، ثم الضغط ثم إعادة الانخراط ثم الإخضاع. فضلاً عن ذلك، فإن تهميش الحسابات الإثيوبية في هذه المعادلة قد يدفع أديس أبابا نحو خيارات أكثر تشدداً في ملف الوصول إلى البحر، ويُحوّل القرن الأفريقي إلى بؤرة صراع جديدة.
السيناريوهات المحتملة:
ثمة ثلاث مسارات محتملة لهذا الملف:
الأول والأكثر ترجيحاً هو التطبيع الجزئي المحدود، عبر تخفيف انتقائي للعقوبات وفتح قنوات دبلوماسية مع الإبقاء على أدوات الضغط، وهو ما يمنح أسمرة شرعية محدودة دون إلزامها بتنازلات جوهرية.
أما الثاني فهو انهيار المسار التفاوضي في حال دفع أفورقي نحو انتزاع مكاسب قصوى دون مقابل، مستنداً إلى تاريخه في إدارة العلاقات باستقلالية تامة.
والثالث هو السيناريو الأخطر: تحوّل التوترات الحدودية بين إثيوبيا وإريتريا إلى حرب شاملة في حال أخفق التدخل الدبلوماسي، وهو ما سيُكرر فصول الصراع المدمر بين 1998 و2000 في سياق إقليمي أشد تشابكاً وأعلى كلفة إنسانية.
الخلاصة:
تُجسّد هذه الخطوة إحدى أعمق معضلات السياسة الخارجية: المفاضلة بين المصلحة الاستراتيجية الآنية وتكاليف الاستقرار الإقليمي على المدى البعيد. فتحويل إريتريا إلى ورقة في حرب البحر الأحمر دون إدارة تداعياتها الإقليمية يُشبه إطفاء حريق بإشعال آخر. وأي انفتاح غير مشروط سيُرسل رسالة بالغة الخطورة مفادها أن واشنطن مستعدة لمقايضة ملف حقوق الإنسان حين تستدعي الضرورة الاستراتيجية ذلك. والأجدر بواشنطن من أجل استقرار المنطقة أن تربط أي تخفيف للعقوبات بمعطيات ملموسة وقابلة للقياس، وأن تُشرك إثيوبيا وهيئات الوساطة الإقليمية في إدارة هذا التحول، متذكرةً أن أسياس أفورقي لا يُجيد في تعامله مع القوى الكبرى سوى لغة واحدة: الأخذ دون العطاء.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات